غابةٌ كثيفةُ الظلال، تتعانق فيها الأشجار العالية حتى تُظلِّل السماء، وأرضٌ مفروشةٌ بأوراقٍ ذابلة تفوح منها رائحة الرطوبة والقدم. الضوء شحيح، يتسلّل متكسّرًا بين الأغصان، وصمتٌ ثقيل لا يقطعه إلا نداء طيرٍ بعيد أو حفيفُ ورقٍ تحت قدمٍ عابرة. الزمن يمضي ببطء، كأن الغابة مسرحٌ قديم. في أطراف هذه الغابة العتيقة ابتدأ نهار سالم على وتيرته المعهودة. كان يسير فوق ممرّ ضيق حفظته قدماه عن ظهر قلب، يحمل فأسه على كتفه، ويصغي إلى وقع خطواته كأنها العدّاد الخفي لزمن يتقدّم دون استعجال. ومع كل خطوة، كانت ذاكرته تعود إلى سنوات بعيدة، إلى طفولته حين كان أبوه يقصّ عليه حكايات الغابة ويحذّره من أسرارها، مؤكّدًا أن من يدخلها يجب أن يعرف كيف يخرج منها، لا بقدميه فقط بل بقلبه أيضًا. ظلّ الزمن يتقدّم في تسلسل هادئ، والشمس ترتفع شيئًا فشيئًا، بينما كان سالم يقطع الأشجار اليابسة ويجمع الحطب. إلا أنّ قلقًا دفينًا ساكنه منذ الصباح، قلِقًا بلا سبب ظاهر، سوى إحساس غامض بأن هذا اليوم سيخلّ بنظام الأيام السابقة. وكان السارد، العارف بما يجول في نفسه، يرى كيف تتناسل المخاوف في صدره، ويستحضر ذكرى قديمة لم تبرح ذاكرته: يوم هرب من الغابة قبل أعوام، تاركًا خلفه رجلًا غريبًا استنجد به فلم يجبه، فصار الندم ظلّه الدائم كلما عاد إلى هذا المكان. وفي منتصف النهار، انبعث صوت غريب، خليط من أنين وحشرجة، شقّ السكون فجأة، فتوقّف سالم وشدّ قبضته على الفأس. كان عقله يأمره بالرجوع، وقلبه يدفعه إلى التقدّم، وهذا التردّد لم يكن إلا صدى صراع قديم بين الخوف والواجب. سار ببطء، وكل خطوة كانت تثقل صدره، حتى خُيّل له أن الغابة نفسها تحبس أنفاسها، مترقّبة ما سيختاره. وبين الشجيرات الكثيفة، لمح جسدًا ملقى على الأرض، فاضطربت نفسه، واستعاد الماضي دفعة واحدة، غير أنّه حين اقترب تبيّن له أنّه ذئب جريح أنهكه النزيف. رأى سالم في عينيه انعكاس ضعفه هو، وأحسّ أنّ اللحظة ليست مصادفة، بل امتحانًا أُجّل طويلًا. جلس قربه، وقد أدرك في قرارة نفسه أن قراره الآن سيحسم علاقته بذاته قبل أن يحسم علاقته بالغابة. ومع ميل الشمس نحو الغروب، ضمّد سالم جرح الذئب بما تيسّر له، ثم نهض ببطء، وقد شعر بخفّة لم يعهدها من قبل. عاد يسلك الممرّ نفسه، والزمن يمضي كما بدأ، غير أنّ النهاية لم تكن عودة عادية؛ فقد خرج من الغابة رجلًا أدرك أن الشجاعة ليست في حمل الفأس، بل في عدم الهرب من النداء، وأن إصلاح الحاضر هو السبيل الوحيد لمصالحة الماضي،
إن الرحمة، حينما تُمارَس، تعيد للنفس توازنها وللحياة معناها.
