ما السبيل...؟ سؤال كان يزعج أم سعيد كلما
حدثها عن رغبته في الهجران، هجران الوطن والأحباب، ذلك الحلم الذي هز فتيان الحي
كلما سمعوا باقتراب موعد الركب، الركب الذي سيبحر بهم بعيدا عن أرض لم تغن عنهم
شيئا، أرض تعلقوا بها فأدارت وجهها تنكرا أو إنكارا. وفي ساعة استجابة لدعوات أم
سعيد التي أرادت الخلاص الآمن لابنها الوحيد، جاء الخبر من صديقه يخبره بموعد
الرحلة أو "الحرقة" نحو بلاد إسبانيا،
حيث تفتح أوربا أبوابها لمن صعقتهم هموم الحياة، ولم تبال بهم تلال الأرض التي كبروا
فيها، ولم تلق عليهم الجبال تحايا السلام. ذلك السلام الذي ما فتئ سعيد وأصحابه أن
ينعموا به حتى جرتهم الحياة جرا، وأيقظتهم لعنة الوعي فساروا يبحثون عن لسعة
تخلصهم مما هم فيه.
ولما اقترب الموعد المشؤوم، قرر سعيد قراره
الأخير. لقد قرر ألا يخبر الوالدين بما يئن به تفكيره المجهد، لكنه في عشائه
الأخير حدث أمه عن حلمه في تخليص الأسرة من القهر، فلم ير من أبيه إلا نظرات
الرجاء والشفقة، ولم يسمع من أمه إلا دعوات الحفظ والتسديد. نظر سعيد في أبيه ثم
أدار نظره نحو أمه يتفحص تلك التجاعيد التي شهدت على متغيرات الزمن، وكانت ملاذا
له مذ كان صبيا. تلك التجاعيد التي تحملت العناء، فكانت تحرص على لقمة الحلال مهما
بلغ الأمر شدة واضطرابا. لقد كانت تصبر وتصابر منذ زواجها في السادسة عشر من
عمرها، لما زفها والدها إلى ابن الحاج علي الذي عرف بصلاح أبنائه، فلم يكن هم
والدها أنذاك إلا أن تصير إلى بيت زوجها قبل أن يقدم الأجل. الموت الذي لم ينتظر
مولد سعيد، بل أقبل على والدها ثم والدتها رقية، وهي في شهورها الأولى مع والد
سعيد. والذي عانى القهر في شبابه لما كان يشرف على جمعية الحي التي تستشرف الأمل
من المسؤولين. اعتقل مرات عديدة، لكنه أبى أن يخضع لتلك المساومات السخيفة كما كان
يصفها، إلا أن بعض أصحابه سقطوا في الكمين فاعتقلوا جراء اتهامات أسكنتهم السجن،
بينما بعضهم انخرط في أحزاب المدينة وعملوا بسياسة النسيان، واستفادوا مما كانوا
يحاربونه قديما، وهكذا تتغير المبادئ بتغير الأيام وتبدل الأحوال، بين من يثبت
ثباتا محكما، ومن تزل به القدم لما يرى طعما.
أكمل سعيد عشاءه وانحنى ليد أبيه يقبلها،
بعدما أقبل على أمه يعانقها، ويأخذ شيئا من رضاها الذي لم تمنعه عنه يوما، ونظر في
عينيها اللامعتين صفاء وإشراقا، قبل أن يقبل رأسها، ويسألها الدعاء.
خرج سعيد بعدما أخبر والديه برغبته في
المبيت مع صاحبه المريض زورا، ولما أغلق الباب أحس كأن هاجسا يخبره بشيء لم يتمنه
يوما. عندها أحكم سعيد قيود نفسه وانطلق نحو اللاشيء...
طار عقل أم سعيد لما علمت خبر وفاة
ابنها الوحيد، ودمعت عينا أبيه. كان حلمه أن يعيش كريما في بلاد لا يعلم عنها
شيئا، فقرر الرحيل من بلاده التي نكرته جدرانها، و هزأت به غيومها، فأمطرت عليه
ألوان العذاب. كان حلم سعيد أن يستنشق هواء بلد غريب ينصفه، فرحل من بلاده التي
أخنقه فيها كل شيء.
وفي الليلة
الثالثة من ليالي العزاء، سمع الأب شهقة من جانبه على السرير، تقلب ليمسك يد زوجه
وهو يصرخ مبحوح الصوت: صالحة صالحة... انتفض من مكانه مسرعا نحو سلة ملقاة على
الأرض، يقصد إناء فيها انتصف ماء، أخذه وتوجه لزوجه مغيثا، فأمسك برأسها يحاول
رفعه عن الوسادة، صالحة اشربي اشربي...! أرجوك ..!
كانت روح أم
سعيد صعدت نحو السماء تبحث عن ابنها الغريق في بحار الظلم، ذلك الابن الذي أراد عتقا
وخلاصا فناله موتا غير قاصد.
