ذاكرة الغد: قيد الزمن وإدراك اللحظة | سلمى ماهر

حساب الوقت...

 

مجلة هارموني الحروف

في بعض الأحيان، أشعر أنني لا أختبر اللحظة…

وكأنني أتابع نفسي من نافذة زمنية تنتظر أن تظهر. الضحكات، الدموع، الهمسات، كل ما نعتبره حاضرًا،

هو انعكاس لطاقة الروح التي تحاول أن تخلف بصمتها في المستقبل، لتصنع من كل لحظة فرصة لفهم ذاتٍ

أعمق وأنقى.

‏إن الحاضر ليس خيالاً، بل بداية أبدية، والمستقبل ليس إطارًا مغلقًا، بل مساحة مفتوحة تنتظر أن نخطّها بألوان

الخبرة والإرادة. الألم، الرهبة، الشغف، الابتهاج، كلها عناصر تصنع منّا صانعي ذواتنا، تكسبنا الإمكانية على

صياغة الهيئة التي نريد أن نتذكرها لاحقًا. فإن الرهبة لا تنبع من الزمن، بل من إهمال الآن، ومن تركها تمر

بلا وعي، وبلا فهم، وبلا تقدير.

‏إن الزمن ليس خطًا مستقيمًا، ولا نقطة محددة، بل نسيج مترابط من الإمكانيات. نخطو فيها وعيوننا على الأفق،

نخطو بخطوات محسوبة، نقرر ونصنع، ونحمل تبعات أنفسنا في كل لحظة. الحب، الفقد، المعاناة… كلها

 وسائل للإدراك، ليس قيدًا، بل دلائل لروحنا لنفهم قيمة كل لحظة ونقدرها.

‏وفي هدوء الليل، أغمض عيني، وأرى نفسي من بعيد، أتأمل كياني وروحي، أرى ضحكًا وبكاءً، نجاحات

وإخفاقات، مساعٍ للانسجام مع الذات… كلها لحظات متشابكة تمنحني إدراكًا أن الحرية الفعلية تكمن في

 التركيز على الآن، في الملاحظة الواعية، وفي القدرة على أن أكون موجودة بالكامل، مع نفسي ومع الآخرين.

‏إن الدهشة تتجلى في أن كل لحظة تُعاش مرتين: الأولى كما نشعر بها، والثانية كما ستستعيدها أرواحنا لاحقًا،

لتصبح عبرة وفرصة للتطور. فنحن كائنات قادرة على الرؤية عبر منظار الأمل، كظلال تتشكل بالوعي

والحب، لا نعرف حدود ألواننا إلا حين نختبرها ونعيد تشكيلها.

‏فالألم ليس جزاءً، والفرح ليس مكافأة مؤقتة ؛ إن الألم تدريب للوعي على تقدير القادم، والبهجة لحظة استثنائية

لتثبيت الذات في أبهى صورة، لتخلق في الداخل قوة وصبرًا ورغبة بالاستمرار.

‏نحن أحرار في كل خطوة، في كل قرار، في كل ابتسامة، وكل دمعة. فكل حدث اختبار، نعم، لكنه اختبار

يمنحنا الفرصة لنصبح أكثر وعيًا، وأكثر ثباتًا، وأكثر قدرة على الحب والمسامحة والتقدير.

‏فنحن لن نعرف اللحظة كما هي بالضبط، لكنها ستمنحنا دائمًا فرصة لنصنع منها ذكريات تضيء طريقنا في

المستقبل.

‏ولربما سر الحياة يكمن في التواجد المدرك، في مراقبة الذات كما تراقبها الأيام القادمة، وفي تشكيل كل لحظة

 لتصبح شاهدة على نموّنا ووعينا. الصمت، الدمعة، الابتسامة، الألم، الابتهاج… كلها دليل على أننا نعيش، أننا

نحاول، أننا نصنع من الحاضر مستقبلًا أفضل.