اضطجع كعادته يُقلِّب مواقع التواصل الاجتماعي الخاوية على عروشها،
متأمّلًا في طبيعة الإنسان الغوليادكينيّة المُزدوجة، حيث يسعى دائمًا لإيهام
الآخر بأنّه ما زال على قيد الحياة، بأنّه سعيد وناجح، وبأنّه ما زال يُنافح عكس
تيّار القدر.
نعم، يُنافح. نعم، يُقاوم بـ«ستوري» مهيب الطلعة، حسن المنظر، جاحدًا بؤسه
وفشله، مُستيقنًا في أعماق نفسه أنّه كتكوت لا يختلف عن الكتاكيت الواهمة، التي لا
يستطيع أحد الادّعاء بأنّه لم يخرج من بيض سلّتها.
لم يستيقظ من تأمّلاته إلّا على تلقّف أذنيه - عبر صوت مقدّمة أحوال الطقس
ذات النظّارات الفاتنة - أنّ قيظ الأيام الماضية ليس سحابة عابرة، إنّما نحن في
خضمّ أحد أكثر الأصياف حرارةً منذ أزيد من عقد.
ورغم جثوم ذلك الجوّ الخانق على بدن صاحبنا، إلّا أنّه لم يسلك طريق الشاطئ
بعد. وليس دافع ذلك أنّ معقله بعيد عن البحر؛ فهو مُسيّج بشواطئ مختلفة يمنةً
ويُسرة، لكنّه ابتُلي بلامبالاة شديدة تجاه ما ينكبّ عليه الناس. فحين يزور الناس
إفران قصد اللهو بالثلج، تجد زخّات المطر المتساقطة على البحر تستأثر بحظوة نفسه،
وحينما يذهب الناس للبحر صيفًا، تراه قاصدًا أحد الجبال التي لا يعرفها أحد.
لكنّ ثُلّةً من أصحابه أقضّوا عليه مضجعه في الأيام الماضية، بسبب المواعيد
التي ما فتئ يُلغيها كلّ مرة، حتى سُمّي كرسيّه الفارغ من لقاءاتهم بالسنّة
المؤكّدة.
والحال أنّه إنسان منعزل ومنفصل عن العالم، كما يُشاع عنه؛ دخل كهفًا كما
أخبره والده ذات مرة، ودائمًا ما قرع أسماع أصحابه - على لومهم المبالغ فيه -
قائلًا:
«العطلة التي لا أختلي فيها بنفسي، ولا
يُمثّل فيها سقف غرفتي سمائي، وأرضيّتها أرضي، وجدرانها شرقي وغربي وشمالي وجنوبي،
فتلك ليست عطلة!»
لكنّه هذه المرّة أكّد حضوره، وانقاد بكثير من الارتياب إلى رغبتهم بالذهاب
صوب الشاطئ. ورغم ذلك، فقد نقّب بأرض أعذاره كما يُنقَّب عن اليورانيوم، لكنّه وجد
أنّه قد استنفد آخر معادنها.
صباح اليوم الموعود، حمل حقيبة ظهره. لم يملأها بغير شورت سباحة، منشفة،
سجائره وولاعته، وكتاب محاورات بوينس آيرس بين بورخيس وساباتو، الذي كان قد بلغ
منه ثلثه الأخير، ولم يكن ليترك صوته الألثغ فرصة تلاوة اقتباساته التي ميّزها
باللون الأزرق.
كان وصوله متأخّرًا، وقد وجد أصحابه الملاعين قد سبقوه إلى تقليب قراطيس
«الكتبيّ»، وكان هذا الأخير مكان لقائهم قبل ولوجهم سلك الوظيفة، بل منذ سنتهم
الأولى بكلية الآداب والعلوم الإنسانية.
تلقّوا وصوله بتجهّم، وقد تعذّر - كعادته - بالازدحام المروري، لكنّ أحدًا
منهم لم يصدّقه؛ فعيونه تدلّ على أنّه ما زال لم يدخّن سيجارته الأولى، لأنّه
استيقظ متأخّرًا
استقلّوا أوّل قطار، رغبةً منهم في الابتعاد ما أمكن عن الشواطئ المزدحمة،
وكانت رغبتهم في أحد الشواطئ المتميّزة بأمواجها العاتية، التي تقلب مرتادها لتجعل
عاليه سافله.
فلمّا بلغوا مأربهم، كان أوّل ما قاموا به أنِ اكْتَرَوْا مظلّة شاطئيّة،
أربعة كراسٍ وطاولة. أبدلوا ملابسهم بشورتاتهم الصيفيّة، ثمّ توجّهوا دون هوادة
للارتماء في أحضان الأمواج، حتى يتخفّفوا من ثقل ذلك الحرّ الذي دوّخ رؤوسهم منذ
صباح ذلك اليوم.
انتعشت أجسادهم، مرحوا، تندّروا ببعضهم، وتفكّهوا من بعضٍ آخر من روّاد
الشاطئ، قبل أن يعودوا أدراجهم ويجفّفوا أنفسهم بمناشفهم.
وضع صاحبنا كتابه فوق الطاولة، أشعل سيجارة، مكتسيًا مظهرًا عنجهيًّا
باردًا؛ بات من سُنن كلّ من قرأ دوستويفسكي وكافكا وكامو وسارتر وغيرهم، أن يحمل
سيجارة في يمينه وكتابًا في يساره، لعلّ صورته «العميقة» - حسب زعمه - تصبح إحدى
الأيقونات، كشأن الكتّاب سالفي الذكر بعد مئة عام.
حمل كتابه، قلّب صفحاته، وتلا على أصحابه قول بورخيس بصوت كمن اكتشف - دون
غيره - خطّة حصان طروادة:
-«أؤمن بأنّ اللاهوت ليس سوى أدب فانتاستيكي.
إنّه في غاية الكمال والإتقان، كجنس أدبي.»
ثم أتبع بقول يُنبيهم بفرادته، ظانًّا أنّ الآلهة قد خصّته بالكتاب المفقود
في مكتبة بابل:
-«الأرجنتين ليست مارادونا وميسي وفقط…»
كان من أصدقائه أن تعالت قهقهاتهم؛ بَدَوْا له في منتهى السذاجة وعدمِ
الفهم، وبدا لهم في منتهى التّحذلُق.
غيّروا الموضوع، وطرحوا عليه السؤال المُعتاد، الذي كان يبدو له أنّه ليس
سؤالًا بريئًا، وإلّا فكيف يختصّونه به في كلّ جلسة؟
قالوا له:
- «متى ستتزوّج ونأكل الدجاج المُحمَّر؟»
أجاب بسرعة بديهة:
-«الوليمة الوحيدة التي ستلج بطونكم لن تكون
حتمًا دجاج العرس المُحمَّر، وإنّما كسكس الموت المُفوَّرْ! ولا عليكم أن تأكلوا
على شرف موتي حتى تشبعوا.»
ثمّن الأصحاب جواب صديقهم بضحك هستيري، ونُفخ ريش صاحبنا. نظر يمنةً ويسرة
لعلّ أناسًا آخرين قد سمعوا مزحته الفذّة، فتتوسّع رقعة الإعجاب، حتى يُكتب عنه
يومًا في الصحف: «ردوده الآنية لا تقلّ سحرًا عن كتاباته الإبداعيّة.»
حثّه أحد أصحابه على التوجّه إلى الشاطئ مرّة ثانية، فيما قرّر الآخران أخذ
قيلولة.
مضى الصاحبان قُدُمًا حتى بلغ الماء أفواههما. كان صاحبنا لا يعرف من
السباحة اسمًا ولا رسمًا، فتوقّف في مكانه، فيما كان صديقه سمكة متمرّسة، فتبخّر
عن النظر متقدّمًا خطوات إلى الأمام.
شعر صاحبنا بالمهانة والازدراء، وخشي أن يتّخذه أصحابه مادّة للسخرية من
جبنه عند العودة، فمضى في طريق صاحبه المختفي.
وعندما اكتشف أنّ قدميه لم تعودا تستطيعان لمس الأرض، وأنّه يتهاوى إلى
الأسفل، حاول الخروج دون فائدة؛ كانت يداه تسبحان في مكانهما دون أن ينتبه أحد.
بلغ ذروة الإنهاك، فيما يحوم حوله هدير مفزع. لم يعد قادرًا على تحريك
يديه، قاوم الإغماء بوهن شديد، وشعر بأنّها النهاية.
تراءت له صورة كأنّها حلم. رأى دجاجة مُحمَّرة وكسكسًا مُفوَّرًا في سباق،
وكان ينظر إليهما بشغف، فاتحًا حضنه منتظرًا عند خطّ النهاية.
لم يكن السباق متكافئًا؛ إذ كان الكسكس أسرع بشكل واضح. ارتمى الكسكس في
حضن صاحبنا، الذي كان قد اختفى من على سطح البحر.
أراد أن يمزح مع الطبيعة، لكن يبدو أنّ البحر كان غائبًا عن درس مُزاح
البشر.
