كما يلجأ
المتشرد إلى المنازل المهجورة في هوامش المدن. ألجأ الآن، الحقيقة أنني أرجع إلى
المنزل الذي ولدت فيه، إلى حيِّ الطفولة. إلى والداي اللذان انتظراني
لوقت طويل، يمكن أن أكون قد مت في نظرهم، يمكن أن يكونا ميتين.
لكنني أرجع
إليهم وربما أجد أن الأوان قد فات عليّ. عشر سنوات وأنا أعيش بعيدا، بعيدا.. بُعد
حلم كبير لشابٍّ فقير.
وربما لم يفت
الأوان بعد، سأجدهم أحياء، هذا ما أظن. سأجدهم ينتظرون ابنهم الوحيد الذي رحل منذ وقت
طويل. ربما سأجدهم يلعنون الاحتلال على ما فعله في النساء والأطفال وكم اغتصبوا
منهم، والشباب الذين كنت أنا واحدا منهم كم شردوا وأخذوهم في سفنهم الخشبية إلى
تلك المزارع الكبيرة ليعيشوا عيشة العبيد.
عدتُ بعد أن
حُررت من عبوديتي، على سفينة حملتني إلى بلادي يوم أمس، ذهبت حرا وعُدت حرا وعشت
عبدا لعشرِ سنوات.
أنا الذي حطت
قدميّ على هذه الأرض التي لم أعد أعرفها. لم يكن هذا الذي نزل من السفينة هو ذاته
من غادر على متنها في ما مضى. ربما شخص آخر تملك جسدي الآن!
لا أعرف أحدا في
موطني، إلى أين يتجه من لا أحد له في الحياة؟
والداي.. هل
تركهم الاحتلال أحياء؟ لا أعلم، لست أدري أين أوجه قدماي.. لا أتذكر أي وجهة غير
الذهاب والإياب وسط المزرعة...
جلست في حانة
قريبة من الميناء الذي وقفت فيه السفينة. أخذت شرابا، وصمتَ عقلي قليلا.. كنت
أنتظر الصباح لأبحث عن حافلة تحملني إلى تلك القرية البعيدة التي كنت
أسكنها.
ركبتها منذ ثلاث
ساعات، نمت واستيقظت ولم نصل بعد.. قال لي مساعد السائق أن الوصول إلى القرية يستغرق
خمس ساعات على الأقل، طبعا إن لم يحصل أي طارئ.
طوال الطريق
أسأل نفسي إلى أين أنا ذاهب؟
ذاهب فقط...
ربما أجد أمي وأبي ينتظران... ربما أشعر بالانتماء هناك... تداخلت الأفكار وغفوت
برأفة من دماغي. واستيقظت على صوت خشن لأحد الركاب:
-
هل ستنزل هنا.. انهض.. لقد وصلت…
-
نعم نعم.. شكرا
كانت هذه
الكلمات الوحيدة التي نطقتُ بها قبل أن أنزل.
وقفت وأنا أتامل
الدخان يعلو إلى السماء ويختفي، وهي تكمل سيرها في طريق طويل، أطول من المزرعة حيث
كنت عبدًا.
أخذت حقيبتي
ونظرت إلى القرية البعيدة والشمس تُلهِبُ عينيَّ، للحظات ظننتُ أنني أحلم، لكنني
واقف هنا وقفة المسيح المصلوب بيدين متدليتين وظهرٍ مقوس.
حاولت رفع كتفيّ
جيدا لكي لا تثقل عليّ الحقيبة. كنت أريد رميها هنا. لكن أكملت المسير..
الطريق وسط هذه
الأرض تنتظرني. رأيت فتى يرعى الغنم، كنت في عمره تقريبا عندما غادر بي
المحتل..
أردت أن أسأله
عن أحوال القرية، ترددت ولكنني اقتربت منه، بدا لي خائفا حتى سؤالي قد يكون بلا
فائدة.
مددت له يدي
مصافحا:
-
سلام، بخير؟
-
بخير الحمد لله وأنت؟
كان صوته يملأه
الخوف عندما رد عليّ حتى ظننت أنني مخيف..
-
بخير الحمد لله..
أكملت حديثي:
-
لا تخف.. أريد أن أسألك عن أحوال القرية فحسب…
-
نعم؟
-
كيف حالكم هنا..
بدا سؤالي كأنه
بلا جواب وأتبعته بآخر:
-
أتعرف سي علي؟
-
سي علي المحمدي؟
-
نعم…
-
نعم.
-
مازال حيا؟ وزوجته؟
لا أعرف كيف
سألته مثل هذا السؤال.. كنت أود سحبه لكنه رد عليّ قبل أن أفعل..
-
الزوجة الأولى أم الثانية؟
صمتُّ لوقت… ثم
أكملت سؤالي:
-
من هي زوجته الحالية؟
-
مينا.. الأولى ماتت عندما كنت صغيرا.. لا أعرفها..
شكرته وواصلت
طريقي.
إذن والدتي
ماتت. كنت أشعر بأنني لن أجد أحدا حيا، لكنني جئت لأرى فقط. كان الأحتلال يقتل
النساء كثيرا. أبي لا يزال حيا وتزوج مينا! كنت أحتاج وقتا لأتمكن من إكمال
الطريق… جلست قليلا بعد أن انتابتني الدوخة وحزن شديد. وبعدها أكملت السير…
وصلت لباب البيت
وقفت طويلا أتأمل القرية. جمعت شجاعتي وطرقت الباب. لم يجب أحد، أعدت طرق الباب
مرة ثانية لترد مينا متسائلة عن الطارق:
-
من يدق الباب؟
لم أقدر على
الإجابة، تركتها حتى جاءت وفتحت الباب..
نظرت إلي
بعينيها الكبيرتين ووجهها المصفر نظرة شخص يعرفُك ولا يعرفك. يحاول تذكرك لكنه لم
يصل لمكانك في الذاكرة، سألتني:
-
من أنت؟
-
معاذ..
استغربَت ونظرت
إليّ مجددا كأنها تعتقد أنني أكذب.. ردّدت وهي ترفع حاجبيها الصغيرين:
-
معاذ.. معاذ..
-
نعم معاذ ابن سي علي..
-
أدخل يا ولدي أدخل..
رحبت بي وبدأت تطرح
أسئلة كنت أتوقعها، ففي نظرها ربما كنت ميتا وخرجت من قبري. لذا عليها أن تعرف.
دخلتُ، كنت
منهكا.. شرحتُ لها قصتي باختصار. اطمأنت عليّ، ذهبت لتحضر لي الأكل، تأتي وتسأل ثم
تذهب.. تطمئن علي، كأنها أمي.. لكنها مينا!
كنت أتذكر كم
كانت أمي لا تحبها، تقربت من أبي مرارا. لكن أبي تزوج أمي..
بعد وقت قصير
لكنه بدا لي طويلا جاء أبي من الحقل.
دخل نظر إليّ
كأنه اعتاد على وجودي هنا.. اعتقدت أن الفتى أخبره بوجودي، أو مينا أو أحد
الجيران…
سلم علي، سألني
أسئلة كما سألتني مينا تماما… كانت أسئلته باردة.. كأنني كنت هنا أمس أو
قبله.
حتى تبادر لذهني
السؤال: هل هذا أبي أم أب شخص آخر؟!
جلسنا، فرّقت
مينا علينا كؤوس الشاي بالنعناع. تحدثنا قليلا عن أمي، عن القرية، الاحتلال
والعبودية. ثم بعد وقت ليس بطويل كما توقعت. ذهبتُ مصراً لغرفتي التي أعدتها لي
مينا لأرتاح قليلا.
لم أشعر بأي
انتماء مجددا، كما كنت عبدا ها أنا عبد غريب في بيت لا أعرفه، في قرية وحياة لا
أعرفها ولم أعرفها منذ أن رمتني أمي جنينا من بطنها.
نمت تلك الليلة
وفي الصباح الباكر أيقظني أبي ليقول لي:
-
هيا لتساعدني في الحقل…
هل هذا أبي حقا،
ألم أعد ابنه!؟ لم تتوقف الأسئلة كنت قريبا إلى شيء غير مرغوب فيه هنا!
رددت عليه:
-
اذهب يا أبي.. أنا متعب الآن.
بدا لي منزعجا..
ثم ذهب..
طوال الأيام
الثلاثة التي قضيتها هناك كان أبي لا يريدني أن أبقى، كنت عبئا ثقيلا.
مينا… ربما لهذا
كانت تكرهها أمي!
مضت الثلاثة
أيام بثقل كأنها سنوات… وفي اليوم الرابع استيقظت باكرا قبل الصبح. قبل أن يستيقظ
أبي.. أخذت حقيبتي. ثم ذهبت حيث أنزلتني الحافلة. انتظرتها حتى جاءت وركبت ذاهبا
لمكان آخر لا أعرفه… ربما إلى حيث
يلجأ من لا ملجأ
له... ربما إلى جميع الاتجاهات في الوقت نفسه!
