الغاية لا تبرر الوسيلة | سلمى ماهر

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

مجلة هارموني الحروف


ما كلُّ غايةٍ تُرفعُ رايتها في السماءِ تُزهرُ في الأرضِ نقاءً وصفاءً، ولا كلُّ مقصدٍ بدا للناسِ

ساميًا يُولدُ من طريقٍ كريمٍ ابتداءً وانتهاءً؛ فكم من إنسانٍ لبس ثوبَ الفضيلةِ ظاهرًا، 

وأخفى في يديه خِنجرَ الوسيلةِ غدرًا وخفاءً، فظنَّ أنّ الوصولَ يكفيه شرفًا، فإذا الطريقُ 

يشهدُ عليه ظلمًا وادّعاءً.

وما الغايةُ إلا ثمرةُ الطريقِ إذا نضجت، ولا الطريقُ إلا بذرةُ النهايةِ إذا زُرِعت؛ فإن 

زُرعت البذرةُ ظلمًا أنبتت شجرةً من الندمِ شقاءً وعناءً، وإن زُرعت عدلًا أثمرت غايةً طيبةً عزًّا وبقاءً.

‏ألا إنّ الطريقَ ميزانُ القيمِ إذا اضطربت، وبرهانُ الضميرِ إذا اختلطت؛ فكم من رايةٍ 

رفعت شعارَ الحقِّ صباحًا، ثمّ عادت مع المساءِ تحمل في طيّاتها باطلًا وادّعاءً، لأنّ 

صاحبها ظنّ أن النهايةَ تطهّر ما قبلها، وأن الغايةَ تمحو خطيئةَ الوسيلةِ محوًا وإلغاءً.

هيهات!

فالعدلُ لا يولدُ من رحمِ الظلمِ، كما لا يولدُ النورُ من قلبِ العتمةِ السوداءِ؛ وكيف يُرجى 

صفاءُ النبعِ إذا كان منبعه كدرًا ووباءً؟ وكيف يُطلبُ مجدُ القممِ إن كان سلّمُها مبنيًّا من 

أشلاءِ الأبرياءِ؟

‏لقد وعى الحكماءُ سرَّ الطريقِ منذ القدمِ، فقالوا إنّ المجدَ ليس نهايةً تُنالُ بأيِّ دربٍ شاءت

الأهواءُ، بل هو دربٌ طويلٌ من الصدقِ يبدأ، ومن الوفاءِ ينمو، ومن نقاءِ الوسيلةِ يعلو 

سماءً بعد سماءٍ.

‏قال الحكيمُ من الشعراءِ وهو يزنُ الأفعالَ بميزانِ الشرفِ اعتلاءً :-

 

إذا كانت غايةُ المرءِ السموُّ بخلقِه

‏فليسَ إلى العلياءِ ظلمٌ ولا اعتداءُ

‏فالعلياءُ لا تُبنى على كسرِ القلوبِ خفاءً، ولا تُشيَّدُ فوق أنقاضِ الحقِّ التواءً؛ لأنّ المجدَ 

الذي يولدُ من الظلمِ يبقى مجدًا أجوفَ لا يورثُ صاحبه إلا خيبةً وعناءً.

‏فالمجدُ ليس قمةً تُدركها الخطى كيفما اتّفقَ المسيرُ إليها ادّعاءً، بل طريقٌ يسيرُ فيه القلبُ 

يقظًا، لا يخدعه بريقُ النهايةِ وإن لمعَ في العيونِ ضياءً.


‏وقد قال شاعرٌ من أهلِ العصرِ معنىً يوافقُ الحكمةَ صدقًا ووفاءً:

 

ومن يزرعِ الأشواكَ في دربِ العلا

‏سيحصدُ في آخرِ الدربِ الأسى والبلاء

 

‏فمن بدأ الطريقَ بجرحِ الناسِ ظلمًا، لن يبلغَ السلامَ عدلًا، ولو رفع ألفَ رايةٍ للخيرِ ادّعاءً. 

ألا فاعلموا أنّ الأخلاقَ ليست زينةً تُعلَّقُ على الأعناقِ بعد الوصولِ تباهيًا ورياءً، بل هي

الطريقُ الذي نسيرُ فيه منذ الخطوةِ الأولى صفاءً ووفاءً؛ فإن صلحَ الطريقُ صلحت الغايةُ 

معه، وإن فسدَ الطريقُ فسدت الغايةُ مهما تلثّمت بوجهِ الفضيلةِ حياءً.

‏ولو سُمحَ للغاياتِ أن تبرّر الوسائلَ كلّما ضاقَ الضميرُ بها، لتحوّلَ العالمُ سوقَ أعذارٍ لا 

ينتهي فيها الجدلُ ولا ينطفئ فيها البلاءُ؛ ولصار كلُّ ظالمٍ قادرًا على اختراعِ غايةٍ جميلةٍ 

يكسو بها قبحَ أفعاله ستارًا وغطاءً.

‏لكنّ الحكمةَ باقيةٌ ما بقيت القلوبُ تعي معنى الطريقِ وفداءه، إنّ الدربَ النظيفَ وإن طالَ 

زمانُه يصلُ بصاحبه يومًا رضًا وهناءً، وإنّ الدربَ الملتوي وإن قصرَ مسيرُه يورثُ 

صاحبه ندمًا طويلًا وبكاءً.

‏فالإنسانُ إذا صانَ وسيلتَه صانَ إنسانيته معها بقاءً، وإذا لوّثَ طريقَه لوّثَ قلبَه ولو بلغَ من

المجدِ أعلاه ارتفاعًا وعلاءً.

‏لهذا تبقى الحقيقةُ ثابتةً لا يبدّلها الهوى ولا يطمسها الغرورُ ادّعاءً، إنّ الغايةَ الجميلةَ لا 

تكتملُ إلا بوسيلةٍ جميلةٍ مثلها صفاءً، وإنّ الطريقَ ليس ظلّ النهايةِ فحسب، بل هو النهايةُ 

ذاتُها معنىً ومصيرًا وبقاءً.


جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates