يمر تاريخ الحضارات دوما بين أمواج التخلف والنهضة ثم التقدم، ليعود الأمر لأوله، مع انتشار البؤس والخيانة وسقوط الهمم، فتسعى المجتمعات جاهدة كي تخرج من هذا العبء، وغالبا ما تدعو الفئة المثقفة لثورة ضد الظلم والاستعباد، وتمجيد العلم والمعرفة، وهكذا دواليك.. وأحيانا يكون المحفز الرئيسي هو الاستقلال أو التحرر من عبء كان يهدد وجود هذه المجتمعات، فتحاول أن تتخلص من أغلال مستعمرها ببناء قويم، يخلصها مما كانت فيه. وهذا كله لا بأس فيه ما دام يسير وفق حتمية الدورة التاريخية والسياسية للمجتمعات. لكن الأمر يتجاوز حدوده لما ترغب هذه المجتمعات في سيرها الحثيث نحو العبودية، بل وتستلذ ذلك وتطمح في استمراره، فتجد الأفراد متعلقين بالمتسلط عليهم، وليسوا قادرين على الخلاص منه. ولن تجد أحدا يطمح في الحرية كحق طبيعي، بل ترى هؤلاء يعتبرون هذا الحق جريمة في حقهم، ولا يقبلون أي شيء قد يخلصهم من أغلال العبودية مهما كان. وعندها تقع الفاجعة العظمى، لأن الداعين للحرية أو الكرامة وسط هذه المجتمعات مجرد دخلاء لا رغبة في وجودهم، كأنهم وبال على المجتمع.
و تجدر الإشارة
أن استلهام الأفكار الثورية التي تدعو للتغيير، يكون بعد مخاض مهول، وإذا كان البعض أدرج هذا تحت غطاء القيود
المجتمعية والفكر النظامي، فإن الأمر بات أكثر خطرا، لما يتحول عشق العبودية إلى
حرب على من يدعون لفطرة الحرية الإنسانية، فيتكون المجتمع بناء على هذه النظرة
الغاشمة، ويسير أصحاب السلط بخطى ثابتة نحو المقامات الإلهية، فيفخرون إن قاموا
بأداء نسبة قليلة من واجبهم التعاقدي نحو المجتمع، بل ويطلبون تصفيق الجماهير
الصاخب على هذا، وإذا استوقفهم أحد العقلاء على أحد أخطائهم، سلطوا عليه تلك
الجماهير حتى تعتقل لسانه السام.
ولو أردنا أن
نرى الأمر من وجهة نظر أخرى، فسيكون علينا أن نجزم بضرورة تحقق بنود العقد
الاجتماعي الذي ينظم بين المحكوم والحاكم، ولما تتوفر تلك البنود وتُفعَّل على نحو
يرضاه الجميع، يكون حديثنا مُجازا تحت مظلة الإنسانية، ويصبح السير وفق السلط
دليلا على نظام بشري مستقيم.
أما أن يكون
تحقيق تلك البنود معدوما، حتى أصبح الفرد لا يدرك ما يربطه بحاكمه سوى معاني
السلطة والتسلط، فعندها وجب الوقوف على خطورة الأمر الذي يسير بالمجتمع نحو
الانمحاء الإنساني والثقافي، وتصبح القوة هي المحدد الأول لهذه العلاقة.
وإن الأمر أشد
مما كان عليه قديما، إذ توفرت وسائل المعالجة الاجتماعية، وأصبح بإمكان المجتمع أن
يقرأ الوثائق الضامنة لوجوده الإنساني، بل ويقارن ما يحظى به وما تحظى به
المجتمعات الأخرى، ليصل لاستنتاجات تشجعه على المطالبة بالحق الكفيل برقيه الإنساني.
هذا الرقي الذي يفقده الإنسان لما يتخلى عن شجاعة المواجهة وبث الحقائق السياسية
والدينية والاقتصادية وغيرها، ويكون عندئذ مجرد كومة متحركة تحت رغبات المخايل
الذي يتلاعب بالظل.