آخر نظرة قبل الذبول | محمد أمين لقرع

حساب الوقت...
آخر نظرةٍ قبل الذبول | هارموني الحروف
هارموني الحروف — نصوص ورؤى

آخر نظرةٍ قبل الذبول

أبسط ردائي اللازوردي فوق مناكب الوجود، لأراقب الكون وهو يتدثر داخل نفسه، أنظر إليها من عَلٍ، وأقول سبحان الباري الذي لوّن بتلاتها ورتبها، كما رتب السحاب في كبدي وأحشائي، أبصرها سجدة فجر تجسدت في هيئة نوارة، أرمقها من عُلايَ، وأحتضن الفراغ ثم أملؤه، لأرى في انحناءة ساقها استقامة الحب، وفي غلائل أوراقها المضمومة أسرار اللوح المحفوظ قبل أن يطأه القلم.

تحيط بها جيوش الشجر الشاهق، وهي ترفع أصابعها الخشنة نحوي، تطارد أطرافي كأنها تود قنص الضياء، كائنات غليظة تضرب بجذورها في جحيم الأرض وتشرئب بصلف نحو ملكوتي. وبين أقدام هذه الصروح الجافة، تمشي الوحوش البرية مكسوة بالفراء والناب، تلهث خلف غريزة البقاء، تمزق صمت العفوية بصراخ الجوع، وهي... نوارتي الوحيدة بينهم، خُلقت لتخفف عنهم قبح الوجود ولترتل على مسامعهم تراتيل الغرام.

أتأملها، وأتساءل كيف صاغها الخالق من دمعة غيمة وسرِّ طين؟ كيف لهذه الرَّهافة أن تصمد أمام حوافر الريح؟ وكيف لهذه الرقة أن تكسر هيبة الجبال الرواسي؟ تبدو لي تارة كمشكاة فيها مصباح، وتارة أخرى كنقطة الباء التي تحتها تجتمع كل الأسرار.

أفرش لها جفني نهارًا، وأسرج لها قناديل النجوم لتؤنس وحشتها في العتمة. ألمسها بأصابع الغيث حين تشتد عليها هواجر الظنون، فتهتز وتربو، وتخرج من أكمامها أسرارًا ضاقت بها التفسيرات.

"سبحان من جعل في هذا الجسد الهش وطنًا للخلود، وجعل من هذا العمر القصير ملحمة للعشق."

هي لا ترى وجهي الشاسع المبسوط، إذ أراها تشرب من فيضي؛ وتميل برأسها حين أهمس لها بزفرات الرعد. أَتُراها تحبني زهرتي؟ أَتُراها تعلم أن هواها فُرض علي قسرًا، أرغمني على المراقبة من بعيد؟ أَتُراها تعلم أنني أحميها دون أن تطال أجزائي أجزاءها؟ أَتُراها تدرك أني أهاب فراقها حين تهجم الظلمة الدامسة، ويأوي كل وحش إلى غاره، وتنكفئ الأشجار على أحزانها الخريفية؟

أراقبها الآن، وهي تغلق أجفان بتلاتها على سرنا المشترك، بانقباضها المُستوحِش، كأنها توشك أن تسقط، نوارتي المسكينة، أتعبت ساقها صروف الدهر، ربما تعيش آخر ساعاتها، ماذا ينبغي أن أفعل؟ كانت مخطوفة الرونق هذا اليوم كله، كيف لم ألاحظ؟

مددت الغيم فوقها، وأشعلت البرق في كل الجهات، وحملت المطر إلى جذورها، لكنها ظلت تنطفئ بهدوء موجع، وقبل أن تغيب تمامًا، رفعت رأسها نحوي، لا أدري إن كانت رأتني حقًا، أم أن العاشق يتوهم دائمًا النظرة الأخيرة، لكنني أقسم أن بتلاتها ارتجفت كما لو أنها تبتسم، ثم غابت بكل سحرها بين الحصى والنمل... حدادًا، ذرفت المطر، وتأملت الكون من تحتي، فإذا بالأشجار ما تزال شاهقة، والوحوش تركض خلف جوعها، لكن الأرض ابتلعها السواد، لا أحد حزين سواي.

سأبسط ردائي اللازوردي غدًا، وأحدق في تلك البقعة الفارغة من الأرض، منتظرًا أن تنبت مرة أخرى… زهرة تشبه الدعاء.