الظلال | يوسف جُهاري

حساب الوقت...
الظلال | مجلة هارموني الحروف
مجلة هارموني الحروف

الظِّلال

بقلم: يوسف جُهاري

حينَ تزّاور العتمةُ عنْ أمل، تأتي الصباحاتُ لتُعيدَ رسمَه بممحاة. مطرنا مدرارٌ هذه الأيّام، ولا أتخيّل أنْ الصقيع سيكونُ عائقاً أمامَ اضطجاعك العاري. الغرفةُ ذاتُها تتعرّقُ تحتَ وقعِ شريان ضوئك. انصهرتُ رغم أميالِ البَوْنِ التي بيننا يا نجمَ نيوترون، تبتلعينني وإنْ كنتُ عظيماً كما تقولين. ماذا تفعلُ الشّموس التليدةُ أمام جبروتِ الثقوب السوداء؟!

العظماء، لا تؤثّرُ المادّة على منوالِ ما يرتدون، وحدها المشاعر قادرةٌ على تسييس فلسفةِ انتقاءاتهم للأزياء.

لن أستغرب أن يكون الشتاءُ فصلَ عريك المفضل، ففي صقيع ديسمبر تخيلتِ حبيبك يطوي الأزقّةَ عارياً، بدنُه كانَ غائباً عن وعيِ تذكّر السروال.

العري العلني في الحلم خوفٌ من السّمعة، وخَشيةُ فضحِ خطيئة، هكذا أتذكّر من تفسير ابن سيرين سنواتٍ خلت. لنْ أخفي عليك، سأفضّلُ المشيَ عارياً على ارتداءِ ما ينسجه الجميع. وإنْ تجرّدتُ من ملابسي، فالشوارع ستُغطّي مؤخرتي بحجابٍ من ضوء.

سأحذو حذوك، استيقظتِ بزهوٍ حالِم. تربّصتْ أناملك عندَ ورقةٍ ملفوفةٍ من مذكرات أمس، مُقلك اندسّت خلفَ آخر سطورك الملتوية عني:

"العظيم يقلب الأرض فقط، لا يصعد ولا يسقط، إنه يكون دوما، يظهر حين ينتهي وقت لعب الإله، لأنه من علمه القواعد الأولى فقط."

ندّت عن ثغرك ابتسامةٌ فجرية لطالما نسفت كاريزمتي. انزوى نابُكِ جانباً، مُقررا التمرّدَ على مقاييس شفتيك، ألهاهُ استيهامُ تدجيني أنْ يضعَ ثُقبَ لعنةِ المصّاصين على عنقي. أغراهُ كما يغريك: ورودُ العظيمِ معك دلو الدّم. فرقعتِ أصابعك شعورا بتملّكِ قلبي.

أيقنتِ بإجلالي لِبنانك، عَجْبُ ذَنَبِك الوحيد الذي سيُبادُ مع موتك. لنْ يكون من المستطاع بعثك مرّةً أخرى أيتها الطفرةُ الكونية. كنتُ لآكلَ أناملك، أنْ أبتلعَ بذرةَ القلم فيك، وجودي اللامتناهي. صُغْتِهِ معادلةٍ من تسعةٍ وعشرينَ حرفا.

ريشُ خِصْرِكِ انسابَ بانحنائه الهضبيّ تلقاءَ المرآة، لكنَّ وجهك، لمْ يكن هناك. ارتعشَ جسدك من هولِ الصدمة، لمحتِ اقتباسا عندَ سقفِ انعكاسك الغائب: السماءُ وهمُنا الأكبر!

لمْ يفِ الماءُ بغرضٍ. سعيتِ جاهدةً لإحياءِ الحقيقةِ في أعينك الواهمة، حاولتِ مرارا، دون جدوى. انسلّ ذبيبٌ لقدميك، لم تعد تطاوعانك للوقوف. عدتِ بعسرٍ لفراشك، على أمل أن تستيقظي من كابوسٍ ليس له وجودٌ حتى في أكثر الأسرّةِ عبثيّةً.

في طريقك، رأيتِ أنّ قرينك الظل، قد انتحى بعيدا عن جسدك. من فتحةِ نافذتك قفز، رأيتِ ناسا، أقزاما، قد اجتمعوا على جثته. حاولتِ بعثه للوجود. أصبحتِ مُخايِلَةً، مسرحها العدم، الجدران، كانَت ترفعُ تلقاءك أصابعها الوسطى في كلّ مرة.

من نحن دون ظلالنا؟ الظلال، توجد فقط حينما لا نراها. رغبتنا في تأملها، تقودنا وتقودها إلى مكتباتٍ متفحّمة فينا.

هاتفك في يديك وألمُك، بنحيبٍ:
"ألو يوسف."
أُجيبك: "لقد انتحر ظلي، وانعكاسي."

أنسابُ من سلالِم العمارة مُتدفّقا، بحثا عنك، عني، عن انعكاساتنا وظلالنا المفقودة. المصيبةُ تغدو نعمةً حينما تقعُ على رؤوسنا، وعلى رؤوس من نحب. حينما أصل لبيتك، لا أستطيعُ رؤيتك، ولا تستطيعين رؤيتي. نسمعُ الصوتَ بأنسجتنا الداخليّة، لكنّ الصورة اختفت خلف الغياهب.

لمْ نكنْ رُبّما غيرَ تجلٍّ لأعمق رغباتِنا، أو رُبّما كُنّا أشباحا. والآن، نجحَ أحدُ الرّقاةِ بطردنا من منزل آدم، وربّما هو عبثُ الوجود، حين يملُّ الجلوس، يريكَ منه العجب العُجاب.

يوسف جُهاري