الجائزة بداية هيَ يدٌ ممدودة مليئة بالمحبة والعطاء لا بدّ أن تقابلها يدٌ ممدودةٌ مليئة بالمحبة المتبادلة والاجتهاد. كان القدماء أذكياء في اختيار هذا المصطلح. فهي جائزةٌ من جازَ يجوز. لا خلاف لديهم، إذن، على مشروعيتها. وهي من الإجازة، أي إنها شهادة اعتراف عبور نحو آفاق جديدة. وهي اسم فاعل؛ أي إنها فاعلة تغيّر مسار المبدع والباحث إذا ما استوعب التحول الذي طرأ عليه. أما جائزة الشيخ زايد للكتاب فهي أيقونة عالمية استطاعت، منذ عشرين سنة، أن تكتسب قوة وسمعةً عالميتين، وبانية، لأنها تمتحُ من رمز إنساني وحضاريّ هو الشيخ زايد آل نهيان طيب الله ثراه. دعني أتحدثُ عن تجربتي الشخصية، لقد نلتُ جائزتين شعريتين في بداية مسيرتي الإبداعية والبحثية: الأولى في 2018 بدعم من إمارة الشارقة والدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة، والثانية في 2019 وتحمل اسم ابن حاكم الفجيرة راشد بن حمد الشرقي. وقد أثر هذان الحدثان في أعمالي كثيراً وأكسباني الثقة في أهمية كتابتي.
دعني أوضح بعض الأمور العلمية، ولكن بشكل بسيط. البلاغةُ غابةٌ كثيفة ومسالكها كثيرة. والبلاغةُ مبادئ وقيمٌ ثابتة، أما المتغيرات فمتعلقة بأسئلة العصر وأنواع النصوص والخطابات. يمكنُ أن تقول إنني أخذتُ روح البلاغة، ولم أطبق لا الحجاج البيرلماني ولا البلاغة القديمة على الرواية. سيكونُ عملٌ بهذا الشكل ساذجاً إلى أبعد الحدود. لكنني اخترتُ الأدوات الحجاجية التي يمكنُ أن تسهم في الكشف عن إمكانات الرواية التخييلية والجمالية والفكرية. أما البلاغة العربية القديمة فقد استشهدتُ بها في سياق استغلال حازم القرطاجني للحجاج الأرسطي في قراءة الشعر العربي بما يمكنُ أن يفصح عن مناطق أخرى جديدة في شعرية القصيدة العربية.
الروايةُ هي الرواية دائماً. صحيحٌ أنها لا تستقرُّ على شكل معيّن وفي قلب دينامية مستمرة. لكنّها جنسٌ محكومٌ بالتخييل. والرواية غير الجيدة لا تستطيعُ أن تقنع في نهاية المطاف. الروايةُ تكونُ أوّلاً، ثمّ أي شيء آخر. لكلّ نصّ سرديّ رسالةٌ ظاهرةٌ أو مضمرة، ورؤية فلسفية للعالم، وتحملُ أفكاراً. أمّا الحديثُ عن الحجاج فله شروطٌ ومداخل تختلف من رواية إلى أخرى.
نعم، هذا صحيح. نحنُ نطوّرُ الأدوات لخدمة النصّ، وليس لتقطيعه. تكمن قيمة الأداة في ضوء خدمتها للنص. منذُ عملي الأول "الشعرية وانسجام الخطاب" (2020)، كنتُ أضع دائماً نصب عينيّ تسخير الأدوات الجديدة للكشف عن إمكانات النصوص الشعرية والقرآنية والسردية التي قرأتها.
الروايات الذهنية أو الفلسفية نوعٌ من الروايات له قوانينه وخصوصيته. ولا شك أن له بلاغته الخاصة. هناك مبادئ بلاغية عامة تشملُ جميع الروايات. لكنّ المحك الحقيقي للبلاغة هو مقاربة هذا النوع من الروايات ثم قراءة كل نص مفرد وإبراز بلاغته الخاصة. أعتقدُ أن البلاغة قادرةٌ على قراءة جميع أنواع الروايات ما دامت جميع النصوص مسكونة بهوس التأثير في قارئها.
المحتوي الأدبي الرقمي مهم جدّاً، سواءٌ على مستوى الوسائط أو الجانب التفاعلي، ببساطة لأنه يشبهنا وابن عصرنا. أعتقد أن مثل هذه المجلات والمبادرات قادرةٌ على استقطاب جمهور القراء العام لأنها تقتحمُ عالمه وهي مهمة جدّاً. وأغتنم الفرصة لأحييكم وأشكر جهودكم.
ربما يؤثّر الأدب العباسي في العالم اليوم أكثر من نصوصنا الراهنة. هذه مفارقة. النصوص القديمة أقربُ إلينا وإلى غيرنا من المعاصرة. يجبُ ألا نتناول القضية خارج سياقاتها السياسية والاقتصادية والحضارية. الأدب العربي نتاجُ سياقه، يتأثرُ به ويحاولُ أن يؤثّر فيه. أظنّ أن المشكلة لا تتعلق بالأدب العربي فحسب، بل هي مشكلة أعمق بكثير وذات جذور عميقة. لنعالج القضية في سياق التحولات الحضارية والاقتصادية والجيوسياسية.
حقيقةً، لدي خطوطٌ أشتغل عليها منها الشعر والسرد والبلاغة القديمة. وقد بدأتُ التفكير في "البلاغة الثقافية"، خاصة بعد صدور كتاب حدث هو كتاب "الطعام والكلام" للدكتور سعيد العوادي، الذي أنشأ مسلكاً جديداً في غابة البلاغة الكثيفة ونوعاً من الكتابة البلاغية الممتعة والمنفتحة على جمهور أكبر من القراء. وأعد مشروعاً مهماً عن الجاحظ. بالنسبة للبلاغة والرواية التفاعلية، فهناك بعض الطلبة يشتغلون على هذا الموضوع. هناك طالبة تعمل بإشراف الدكتور فيصل أبو الطفيل على الموضوع. في النهاية، أقولُ إن البلاغة مركبٌ حالمٌ وسط بحر واسع لا نعرفُ أين سيمضي بنا، لكننا لا نسأل، بل نستمتع بالرحلة.
🌿 بهذا نصلُ إلى ختامِ هذا المرفأِ الفكريّ 🌿
الذي أرسينا فيه مراسينا مع الدكتور مصطفى رجوان، في رحلة تجاوزت حدود التكريم الاحتفائيّ لتستحيل حَفرا إبستمولوجيا في معمار الرواية وبلاغة الحِجاج. لقد كشف لنا هذا الحوار أنَّ النقد رؤية فلسفية تعيد بناء "سؤال المعنى" في ظلِّ تشظي السرديات المعاصرة.
نشكرُ ضيفَنا القدير الذي مَنحنا من وقتِهِ وعمقِهِ ما يُضيءُ عتمةَ المناهج الجاهزة، ويُعيدُ للترسانة البلاغية العربية ألقَها وقدرتَها على مساءلة النصّ ما بعد الحداثي. إنَّنا في مجلة هارموني الحروف، نُجددُ العهدَ بأن يظلَّ هذا المنبر نافذة مشرعة على كلّ ما هو رصين ومبدع، جسرا يربط بين الصرامة الأكاديمية وذائقة القارئ الشغوف.
📖 إلى لقاء يتجددُ في ملفّ نقديّ آخر، وقضايا معرفية تفتحُ آفاقَ التأويل ولا تُغلقُها.
