الخَوفُ مِنَ النّسيان | يسرى البرجيجي

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

مجلة هارموني الحروفانسابت حبات العرق من جبيني، ودرت حول نفسي حتّى شعرت بالغثيان، جبت بنظري السّوق، واستدرت إلى كل الجهات أبحث عنها، وأنا أنادي بصوت مرتفع :

ــ"أمي، أمي، أين أنت؟".

وأحرك رأسي بشكل دائري، أرى هنا وهناك، أدور كطاحونة الرحى، أسأل الناس عنها، أريهم صورتها على شاشة هاتفي، ويدي ترتجف، والهواء داخلي يختنق، سألني أحد المارة:

ــ"ما بك يا بني؟ هل تبحث عن شيء ما! لماذا تتصبب عرقا؟".

قلت والكلمات بالكاد تخرج من فمي من شدة الخوف:

ــ"إنها أمي يا عمي، مريضة "بالزهايمر"، خرجت معي للتسوق، ولكنها تنصلت من يدي، و تاهت في الزحام! أنظر هذه صورتها، هل رأيتها في الجوار، أخاف من أن تكون ابتعدت كثيرا عن السوق".

قال الرجل:

ــ"هذه أمك!".

ــ"نعم، إنها هي، هل رأيتها؟".

 نظر للصورة مليا، ثم قال مبتسما:

ــ"لقد مررت بجانبها، إنها تجلس بقرب بائع المثلجات".

وأشار بيده إلى الشارع المقابل لنا، ثمّ أردف مكملا:

ــ"إنه العم إدريس، إذا كنت بن المنطقة سوف تعرفه!".

قلت مستغربا:

ــ"العم إدريس! طبعا أعرفه، شكرا لك".

 وذهبت مسرعا باتجاهه.

من بعيد، لمحت أمي متكئة على عصاها، دنوت منها، عانقتها، قبلت جبينها، وقبل أن أعاتبها على تركها ليدي، قالت بقلق:

ــ"أين كنت يا أحمد؟ تطلب مني المثلجات، ثم تهرب فجأة هكذا!".

قلت مستغربا:

ــ"لم أذهب بعيدا يا أمي! ولكن ماذا تفعلين هنا؟".

أمسكت يدي، اقتربنا من عربة عمي إدريس، سلمت عليه، ثم قالت له:

ــ"هلا تصنع لأحمد مثلجين واحدا بمذاق "الشكولاتة"، والآخر بالبندق، تعرف يا إدريس إنها النكهات المفضلة عند أحمد".

رفع عمي إدريس نظره نحوي مستغربا، وقال:

ــ"زادت قامتك، والشيب بدأ يغطي رأسك يا أحمد!".

 أمسكت المثلجات، غمست شفتي فيها متلذذا بمذاقها، ولأول مرة شعرت بأن الطفولة عادت، مر شريط من الذكريات أمام ناظري، ورأيتني ألعب في حيي، كما لو أني طفل في التاسعة من عمري، واغرورقت عيني بالدموع، نظرت أمي إلي، وقالت وهي تمرر يدها على خدي:

ــ"لا تخف يا طفلي الصغير، غدا نمر مجددا، وأشتري لك المثلجات، ولكن هل تعدني بعهد!".

قلت:

ــ"طبعا يا أمي، ماذا تريدين؟".

قالت وهي تمسك يدي بقوة وحنان:

ــ"ألا تترك يدي مجددا يا أحمد، إنّي أخاف عليك وعليّ من النّسيان".

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates