الرجوع إلى الماضي
إن الطريقة التي يمكن للشخص أن يتسلى بها في هذه الحياة، وأن يجسدها في الواقع، هي تلك الطريقة التي يجسدها السرد، ويحولها إلى فجوة حقيقية. فهو لا يكتفي، على خلاف ظاهره، برواية أحداث تنتمي إلى ماضٍ لن يعود أبداً، على الرغم من أنها تُحصى وأننا نسعى إليه؛ هذا الماضي الذي يقودك إلى أسئلة كثيرة من أجل البحث عن الذات، والبحث عن الحقيقة واليقين.
كانت بداياته الأولى يصاحبها اليأس والحيرة، والإحباط أيضاً. كان يقطن في تلك المنطقة التي توجد خلف الجبال، التي لا تعرف تقدماً ولا تأخراً؛ استقرارها في مكانها يجعل أناسها يفرون منها ويهجرونها.
بينه وبين "الداخلية" عشر سنوات تقريباً، عقد من الزمن. لا يدري كيف مرت هذه السنون بهذه السرعة. أجل، هو الآن في العشرينيات، هو ذلك الطفل الذي احتضنته الداخلية. اليوم كبر الطفل فصار راشداً، يمكنه أن ينسى كل شيء إلا تلك الأيام القاسية التي قضاها في تلك السنوات. هو ضمن جيل غير محظوظ، لم يدرك معنى أن يُترك الصبي الصغير لنفسه وسط عالم مخيف، يحتوي كل دروبٍ اختارها على الرغم منه. ورغم وجود بعض الأصدقاء بجانبه، لا يبالي بين ذاك وذاك. نعم، ذلك المكان الذي ما كان متوحشاً بالنسبة له فقط، وإنما كان بمثابة سجن يبتلعه كل يوم، كل ساعة، وإلى أن يصل إلى الدقيقة.
أرسلوه إلى الداخلية من أجل متابعة الدراسة، ولكنه تعلم خارج المدرسة أكثر مما تعلم داخلها. والدليل أنه نسي الدروس التي درسها ولم يعد يتذكر منها أي شيء قط، وبقي يتذكر تلك الأمور التي تعلمها خارج أسوارها. فإنه لم ينسَ دروس البرد والجوع والحزن، والقتال في بعض الأحيان. كان من الأبناء الذين احتضنتهم الداخلية؛ أبناء الفقر والقهر، تعلم على يد الزمان بالمدرسة، فكان غالباً يتعلم شيئاً واحداً وهو أنه لا يتعلم شيئاً. جاءوا بهم وكأنهم سجناء أو هراطقة مجرمون، ليملأوا المدرسة وتستريح منهم الطبيعة وأصحاب القرية.
ولكن مهلاً، ماذا يمكن أن يتعلم وعقله يفكر في وجبة السادسة مساءً؟ عقله يفكر في الدراهم التي ليس لها وجود بجيبه، ويفكر كيف سينام الجسم ليلاً بينما البرد يرقص على أنغامه شيئاً فشيئاً؟ والقلب مشتاق للأهل، ويبدأ هذا الشوق من يوم الاثنين بعد افتراقه عنهم، إلى أن يصل السبت؛ فيزداد حنيناً إليهم وهو فقط ينتظر عودته بفارغ الصبر إلى الديار، إذ لا يمكنه الذهاب إليهم. والأهم من ذلك التفكر الذي يقوده طيلة الأسبوع الذي لا ينتهي، ذلك التفكير الثقيل الذي اتصل حبله بحبله وهو لم يفطن له بعد.
يتذكر ذلك الموقف الذي لا يمكنه أن ينساه في حياته، ذلك الموقف الذي ترك فيه أثراً عميقاً؛ إذ فقد وعيه بالكامل حينما سقط سقطة أليمة في ذلك المكان المرعب، المكان الذي لا يستهويه ولا يرغب فيه (الداخلية). وهو غارق في غيبوبة تكاد تجسد معالم الحياة بالنسبة إليه، لا يمكن أن يعرف هذا الألم العميق سوى من جربه. من سخرية القدر أنه أراد أن يتخلص من أي شيء يذكره بالماضي، أراد أن يحقق أشياء كثيرة، ولكن دون جدوى ولا مأوى. إلى أين المفر؟
يتذكر كيف للعلم وقواعده أن تغير من مبادئ الإنسان وتحقق أشياء كثيرة، كيف يمكن للإنسان أن يغير من محيطه الذي ترعرع ونشأ فيه، وأكثر من ذلك، طفولته المتعلقة بذلك المكان الموجود خلف تلك الجبال؟ كيف يمكنه أن يتخلص من وحشيتهم؟ وبؤسهم والمعاناة التي لا يرغب فيها؟ هل أدرك الإنسان أن أصعب الحروب التي يمكن أن يواجهها في هذه الحياة هي تلك الحرب التي تُعلن بين القلب الراغب والحنين إلى ذلك المكان، وبين العقل الذي يرفض ولا يريد المواصلة؟
هو لا يريد أن يجسد معالم الثقافة في ذلك المحيط. بين ذاك وذاك، تطور الطفل دون جدوى، دون مأوى، ودون حياة، وازداد الطين بلة. يتذكر سخرية القدر بأن الحياة غير متوقعة، حينما أراد أن يتعلم في المدرسة ولكن الدروس لا تستهويه؛ لا يجد نفسه في الكتب التي يدرسها، حتى أنه فكر أن يغير قواعد ومبادئ العلم انطلاقاً من فسادها.
علاوة على ذلك، أراد أن يتخلص من المدرسة، ولكن هل هذا هو الحل بالنسبة إليه؟ فهو لا يريد أن يصبح ضائعاً أمام تحديات الحياة، ويريد أن يواكب التحولات التي يعرفها العالم اليوم ويتطور بشكل سريع. لا يريد أن يكون ضمن جيل ضائع بسبب تركه للدراسة، فهو يريد أن يتحدى العالم بتجاربه انطلاقاً من محيطه. بُعده عن بيته ودفء أسرته يخلق له تحدياً من نوع خاص، وهو يريد أن يحيا حياته الطيبة، ولكن كيف يمكنه أن يحيا؟ وكيف يحب ما يكره ويقبل ما يرفض؟
تلك المعارف التي يتلقاها داخل الكتب المدرسية لا يرغب فيها. كيف يمكن للإنسان أن يجسد هذه المعالم من خلال بُعده عن دفء والديه وحمايتهما؟ لقد كان ذلك المكان مخيفاً بالنسبة إليه. لقد كانت المدرسة دائماً حياته الثانية، إنها مجموعة من التراكمات النفسية والأفكار السلبية التي لا يمكن أن يحس بها سوى من عاش المعاناة وذاق مرارتها ذاتها؛ لم يدركها أي أحد أياً كان.
يمر شهر بعد شهر وهو لا يتعلم ولا يفقه أي شيء، سوى مواجهته للحياة. يتعلم أكثر من خارج المدرسة انطلاقاً من تجاربه مع الحياة، حياة يوجد فيها صراع وتنافس بين أصدقائه الذين أراد دائماً تجنبهم، والتعلم من أساتذته. يريد أن يكون كل شيء، وفي نفس الوقت لا يريد أن يكون أي شيء... لقد تعلم كيف يتجنب أخطاءه، وتعلم شيئاً كثيراً من زملائه خارج المدرسة. تعلم منهم أن الإنسان يجب ألا يستسلم للحياة، وعليه أن يواجه التحديات والصعوبات، وتعلم كيف يبتعد عن الآخرين الذين لا يقدمون له ولا يؤخرون.
كيفية خلق الحياة التي نريدها، وكيف يمكننا أن نتحكم في مصيرنا؟ هل يمكننا أن نخلق ما نريده في الحياة، أم أن الحياة هي التي تتحكم بنا؟

التعليقات