وكان ما كان
متى تحصي ما تبقى من الذكريات لتتأكد أنك قمت بإفراغ كل شيء؟ نعم نعم، إنه مكتب فارغ لا يسع المرء فيه إلا أن ينقب عن الذكريات السيئة ويستخرجها واحدة واحدة. لا شيء أفعله هنا غير هذا! حائط يميل لونه إلى الأسود وقد كان أبيض! أرضية هشة مليئة بالندوب، وصورة لا أدري لمن هي، معلقة بشكل أعوج في الوسط. وثَمَّ خزانة مصنوعة من خشب قديم، بابها مهترئ، مليئة بأوراق تعود إلى أزمان بائدة. الجو حار أيضاً، ولا مكيفات هنا. ماذا تريدني أن أفعل بحق السماء غير التفكير؟
أزبد وعبر بيديه عن مكنوناته الداخلية ومضى يفكر في الطاولة. متى صنعت؟ وأين صنعت؟ ومتى أتوا بها إلى هذا المكتب الرخيص؟ لابد أنها عمّرت طويلاً هنا، وإلا فإن شكلها لا يوحي أبداً بالمعاصرة. أي حافز يشعر به الموظف ليكتب على هذه الطاولة؟ إنهم يتمعنون في إذلال موظفيهم ويجعلونهم يشتغلون في وضعيات بائسة. لا يوفرون لهم حتى أبسط شروط الحياة الوضيعة — أو بالأحرى الوديعة!
"معك حق تماماً. إنه مكتب رخيص، منذ أن دخلت إليه وأنا أشعر بطاقة سلبية هائلة تتناثر حولي. أقول لك إنني أستنشقها أيضاً، تدخل عبر مسام دقيقة إلى دماغي، تجعلني أفكر في الخروج من هنا بسرعة. كم مضى من الوقت منذ أن دلفت إلى هذا المكان؟ لماذا الموظف اللعين ليس في مكتبه؟ لماذا يغادر في أوقات العمل؟ أليست هناك جهات عليا تعاقبه؟".
"بربك يا صاح، أتدرك ما تقول؟ لقد تحدثت لمدة ساعة أو يزيد عن هذا الجو اللعين المتفشي في هذا المكتب الكارثة. انظر إلى الأرضية كم هي لعينة وبائسة، انظر إلى الأوراق أمامك، انظر إلى النافذة الصغيرة التي وضعوها عمداً في مكان مرتفع لكي لا ينشغل الموظف بالنظر عبرها. إنهم أوغاد يا صاح، أوغاد! فلا تلم الموظف على خروجه، لأنه مرغم! من يستطيع الصبر في هذا الجو الملغوم؟ أتسمح لنفسك بانتقاد المسكين؟".
نهض من كرسيه وبدأ يتمشى جيئة وذهاباً، واضعاً يديه وراء ظهره، ومثبتاً عينيه في مكان واحد: "حري بي أن أنظر إلى حذائي وإلى أسمالي البالية حتى لا ألوث عيوني. حسناً فعلت ذلك اليوم عندما ضربت ذلك الأحمق؛ لقد كان يزدري شعوري، وطالما لوث سمعتي وأفسدها بالوشاية الكاذبة. تعلمت منذ فجر طفولتي أن أترفع عن كل النواميس الحقيرة، لكن إن التصقت بي فما علي إلا أن أزيلها، أليس كذلك؟".
"اجلس ولا تتعب نفسك فالموظف لن يعود إلا بعد ساعة من الآن. لا تسألني عن مصدر المعلومة! إنه مجرد إلهام فجائي. أعرف هذا النوع من الموظفين؛ لابد أنه يتغدّى الآن، أو ربما يشرب قهوة على حافة المدينة! أعدت لتفكر في ذكرياتك مرة أخرى؟ هوّن على نفسك واسترخِ. كان عليك أن تضربه وقد فعلت، وكان عليك ألا تضربه ولم تفعل. إنهما فعلان متناقضان تماماً، ويفصحان عن نوع شخصيتك، لكن لا تهتم أبداً؛ لقد أظهرت منذ مدة طويلة بأنك شخص جيد، وموقف سيء واحد لن يغير من هذه المعلومة، اعتبرها مسلّمة من المسلّمات".
لم يستطع الجلوس ولو لوهلة، وطفق يعدو كالمخبول. توجه إلى المكتب المحاذي، وسأل عن موعد عودة الموظف المعني، فقيل له: "سيعود بعد نصف ساعة من الآن في الغالب، أو ربما لن يعود، من يدري!". عاد إلى المكتب وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة.
"اجلس وفكر بهدوء. هل كان من الضروري أن تسافر تلك الليلة؟ لقد تركت كل شيء خلفك: عائلتك، أبناءك، عملك المتواضع، وكل شيء يتعلق بالهوية التي صنعتها لنفسك. غيّرت المدينة لكنك لم تستطع أن تغير شعورك الحانق، أليس كذلك؟ ماذا استفدت؟ وهل يمكنك أن تشعر بالغبطة يوماً ما؟".
حاول أن يسيطر على الوضع، والعرق الغزير يتصبب منه. وضع رأسه على المكتب وسرح في الفكرة: "نعم، كان يمكنني أن أبقى، لكنني قررت الذهاب".
قرر أن يغادر المكتب بسرعة قبل أن تجتاحه نوبة ذعر؛ فالصوت داخله يصر على إزعاجه، والمونولوج لا ينتهي، والخوف والندم اجتاحاه في مكتب الموظف.
نهض من مقعده يمشي الهوينى، ويمسح عن وجهه العرق بقماش أبيض. تصادف مع الموظف عند الباب، ثم عاد للجلوس بتؤدة، وانفرجت أساريره... وكان ما كان.

التعليقات