أقبل مخبر المدينة ينادي : هلموا إلي يا جنود الله.. هلموا إلي يا أصحاب المدينة وأسوارها هلموا !..
وما مرت دقائق حتى
وجد نفسه محاطا بمن سمع النداء فلبى. اقترب الحشد من المخبر يرجون خبرا أقل قسوة
مما تنبأ به شباب الخيال، فتحدث المخبر: يا جنود الله! يا فرسان المدينة وأسوارها!
إن البلاء رجع خاسئا خاسرا، وإن ذوي المعالي والسيادة تمكنوا منه، فوجدوا لما
عجزتم عنه حلا قاطعا، ويقينا جامعا مانعا، فاتصلوا بسادة المدن المجاورة وأطبائها
وعقدوا العزم أن يجدوا الترياق فوجدوه، وإني أدعوكم - وأنا منكم - أن تلتفوا حول مدينتكم وسادتكم، وألا
تخلوا السبيل لفتية الخيال والزندقة، فما لهم إلا ألسنتهم، وأما أعمالهم فترتد
عليهم.
ولما أنهى المخبر خطابه، تحدثت الألسن وهمزت
الأعين، فأصر أهل المدينة أن يطردوا الفتية طردا، فهم سبب الشقاء والمحن، ولولا
تعنتهم عن عرف المدينة لما لحقت لعنة الوباء هذه المدينة.
طارد أهل
المدينة آثار الفتية حتى وجدوا الثلاثة دون الرابع، فأصدر المخبر حكم الإعدام، ولم
تمر دقائق حتى كانت رؤوسهم معلقة على أسوار المدينة. فأصر الخبير ومن معه أن يأتوا
بالرابع لسيد المدينة حتى يحكم عليه بنفسه، أو يرأف به فيعتبر ممن سبقوه.
انطلق أصغر
الفتية عمرا وأكبرهم حظا، وقد عزم أن يجادل القوم لعلهم يرشدون، أو لعلهم يقضون
عليه، فيخلصوه من شقائه. وفي طريقه اعترضه الشيخ البصير، ليحدثه ناصحا، حتى يترك
قراره، وينتظر الليل ليهرب من قبضة الطغاة، لكن الفتى لم يكن شغله إلا ترتيب
الأدلة القاطعة التي سيجابه بها القوم، فيعيدهم لرشدهم، ويقنعهم بوجوب العمل على
جمع الحبوب والثمور والدقيق، وتخزين ذلك للشدة القادمة، ثم حجر أهل البلاء
واستدعاء الأطباء بكلفة يكفلها أغنياء المدينة، حتى يجدوا الحل والترياق المناسب،
لأن البلاء لن يفرق بين يد تملك ذهبا ويد لا تملك إلا سواد جلدها أو بياضه.
وصل الفتى ساحة
المدينة الكبرى، ثم اعتلى منصة النداء ونادى: يا قوم! يا أهل المدينة ! يا أهل
المدينة ! ها أنا ذا، صاحبكم، فأنا منكم
وإليكم، وإن السيد لن يصلح لكم ما أفسد، ولا شك أنكم أدركتم حقيقة نفسه، بعد أمره
بقتل أصحابي، ولقد علمت بذلك فلم أفر، بل آثرت أن أحدثكم بما وجب فعله والقيام
عليه، ولست هنا لأدافع أو أدفع ما قد قدر لي، ولكني لأعيد عقولا طائشة من أصحابها،
فهل فيكم رجل رشيد ؟
وعلى حين غرة
جهر أحد الرجال : ليسقط السيد ويعيش الفتيان، وتقدم مهرولا نحو المنصة، فأمسك بيد
الفتى ورفعها ثم خاطب القوم: يا أهل المدينة! ألا تستحُون؟ ألا ترون بأم عيونكم ما
فعل الفتية لأجلكم ؟ أم أنكم تحبون جلادكم؟ هذا السيد الذي لا يسود إلا على العبيد
أمثالكم، وقد أخذ مالكم وهجَّر أولادكم، وأخلف وعوده، وأجهض أحلامكم. فلئن قتلتم
آخر الفتية، فلن تروا نورا، بل نارا تحرقكم وتسلب ما بقي من آدميتكم.
فانتفض القوم
وصرخوا : ليسقط السيد ويعيش الفتيان .. ليسقط السيد ..
وعندها رفع
الفتى يده وتقدم مخاطبا: يا قوم ! إني لا أرى فيكم تؤدة وحكمة، ولستم بتاركي أمنكم
وعيشكم الرغد لغيركم، ووالله إني معكم، فأنتم مني وأنا منكم، ولا أرضى لكم ما لا
أرضاه لنفسي من هوان العيش مع ذل المقام، ولو أردتم لقمنا قومة واحدة لمن يريد أن
ينغص حالنا، فقولكم قولي والسلام.
وما إن أنهى
الفتى قوله حتى ظهر في الناس أحد المخبرين مهرولا نحو المنصة، ولما بلغها تقدم
خطوة وأشار للقوم: اسمعوني رعاكم الله ورعاني، فأنا ناصح لكم، ولا قوة لي بكم،
إنما هي غصة في القلب أردت أن ألقيها لكم. أما والله إن الفتى قد تحدث فأحسن
الحديث، ولكني حملت عليه إهماله ونقص فطنته، فإني لا أرى لخروجكم ودعوتكم أمام
السيد الأكبر إلا غرورا وحمقا، فأنتم في عيشة يتمناها غيركم، بل ويسألونها ربهم، أ
لستم تنامون آمنين؟ أ لستم تأكلون وتشربون آمنين؟ بل وتخرجون لمشاغلكم آمنين؟ فما
أحوجكم لعقلكم! وما أحوج عقلكم لفطنة توقظه! فارجعوا راشدين إلى ما كنتم عليه! ولا
تطلبوا عناء ليس بعده إلا الشقاء وسوء القضاء. فإن رأيتم رأيي ومشورتي هنئتم
وسعدتم. وأما الفتيان فإن السيد أكرم وأحلم مما ذكرتم، ولم يأمر بقتل أحد من
الفتيان إلا أنتم، أما إن عدتم فلن يمس الفتى سوء، إلا إذا عزمتم على فعل ليس لكم.
ولما أنهى
المخبر كلامه صرخ الناس، يعيش السيد تحيا المدينة..
ولم يمر يوم حتى
اتهم الفتى بالخيانة العظمى، فكان مصيره مصير أصحابه، بعد أن علم باعتقال الرجل
الأعرج، وتعذيب أهله، تحت ذريعة التآمر على تجار المدينة.
وبعد أسبوعين من
الحادثة، توالت أخبار العدوى، وانتشر الخوف بين جدران المدينة، ولم يقدر أهل
المدينة الخروج بعد الحصار الذي فرضه أصحاب المعالي في المدن المجاورة، خوفا على
مدنهم، فاستمر الوباء الذي يجعل الجلد غير الجلد، واخترقت المجاعة أسوار المدينة،
حتى أصبح القطط والكلاب سبيلا للنجاة من فجاعة المصير.
لم يزل ذلك البؤس
يغطي بردائه وجه المدينة الظمآن، ولم يترك القدر فرصة لأهل المدينة أن يفكروا في
المصير حتى تسلط عليهم مع القوة والقسوة المثلى بذلك الطاعون الذي يجعل الأحباء
يقتلون أحباءهم، بل ويفترسونهم، كأنهم جثث خنازير في حضرة القذارة.
توغل الطاعون
وتفشى، واستلقى رجل الدين بكتابه المقدس يتلو تراتيل الخلاص، بعدما تمكن منه كلاب
الحي المصابون بالسعار. هرج ومرج وقتل ودم، ولا حياة لنبيه أو قوي وسط عبثية الأحداث،
فالجميع سواسية أمام هذا المصير.
