وشاحك
المُعلق فوق شجرة ما، يُطارد الظلالَ بين الأغصان..
بدا
لها مُريباً، أرادَتْ أنْ تتعرّف عليه، بينما، مازال واقفاً، بحديقةِ المساراتِ
المتشعِّبة، ينتظر منْ يُعرِّفُه بنفسِه..
منْ
هو؟
"كُلّ
شيءٍ، ولا أحد".
كما يقول بورخيس.
كُلّما
غطّت الغيومُ الأُفق، ينعى دواتَه، تغيبُ شهوراً، وتعودُ مُحمّلةً بِرُزمٍ من الضباب،
حينها يكتُب. يكتُبُ ما لا يفهمُه، يكتُبُ بقلمٍ عظْمِيٍّ نسجَهُ من رُفاتِه.
باتَ
واثِقاً من أنّه وحيد، وحيدٌ تماماً، ومهما أغراه الزِّحامُ، ومهما جندل أذنه
النّحيب، فإنه ليس قادِراً على سَبْرِ مجلبة الدمع كالحارث بن همّام، لنْ يعلمَ
أبداً طويّةَ أبي زيد السروجي، لا يعرِفُ من العالَمِ غير غُرْفتِه.
ألحّت
الطلب عليهِ فترة: أكتُب، لمْ تكتب منذُ زمنٍ طويل.
-ما
أنا بِكاتِب... أجابها.
كانَ عاجزاً تماماً، يُحِبُّ أن يكونَ قارئاً، لا
كاتِباً.
نفتقد
القُرّاء.. عددُ الكُتّابِ يفوقهم.
بعدَ
زمن، وبعدَ أن استيأست من تغيّره، وبدا لها عسيرَ التّدجين، لا يستطيعُ أنْ يرفعها
لمقامِ كُتُبِه أو أفلامِه، ولا هو قادِرٌ على أنْ يعِد، أوْ يُمنّي، أوْ يهبَ
اهتماماً لا تنالُه منه نفسُه، أوْ يضعَ خطوطاً واضحةً لعلاقتِهما ما جعلها
تنسحِب، دونَ أنْ يُبْدي أدنى تشبّتٍ أو اعتراض، كتب لها رسالةً أخيرة:
عزيزتي
أ.
لا
يوجدُ قلمٌ حقيقيّ، كلّهم يزفّون العرائس صوبَ مسرح الظل.
ابتعدتُ
عن الكتابة، لا عجزاً، ولكن، لأنني لمْ أكن أُريدُ أن أُصبِحَ مُخايِلاً. لا أريدُ
رسمَ الظِّلال فوق الظلال، والأمواج فوق الأمواج، ليغيب الكُنْه في لُجج الحقائق،
تذكّرتُ الأمير الذي أعدمَ الشاعر بعدما نظمَ قصيدةً عن قصرِه، فقالَ لهُ الأمير:
لقد مَحَوتَ قصري.
بماذا
نثق؟ وكيف أستطيعُ أن أقول لأحدٍ: سأحبّك للأبد، ألا، ما أشدَّ جرأة الشعراء.
لا
أُحِبُّ أنْ أُعلّق أحداً في قلبٍ لا أدري طويّته، ونفسٍ لا نصلُ لِغورِها،
تتذكّرين إيفان والشيطان، حينها علم أخيراً أنّ بقلبِه إيماناً، بعدَ أنْ فاتَ
الأوان، وكان قد أرسل سمردياكوف بالكفرِ لجهنّم.
سنموت،
ربما سنكونُ أشباحاً، سنعودُ لمنازلنا القديمة، سيأسفون لفراقِنا أياماً وشُهوراً،
وسنُطبطِبُ عنهم بأيدنيا الشفّافة، سنُسقِط بعض الأواني لنُخبرهم أننا مازلنا على قيدِ
الوجود. سنرى - مع مرور الزمن - أنّ منزلنا تغيّر علينا، استحدثوا الأثاث، حبيبٌ
آخر في فراش زوجتنا، ملابسنا قدْ رُميت في القمامة، أوْ تصدّقوا بها في أفضلِ
الأحوال، سيقلّ ذكرُنا من شفاههم، لنُذكرَ بابتسام، ثمّ بفتور، قبلَ نُغادر
الأفواهَ غير مأسوف علينا.. سننتظرُ شيئاً ما لن يحدُث، سنَنْسى حتى ما كُنّا
ننتظر، حينها سنموتُ للمرة الأخيرة.
تُخبرنا الحوادِثُ أنّ الزوالَ مآلُ كُلِّ شيءٍ،
كُلُّ شعورٍ فهو محكومٌ عليهِ بالفناء، كل حبّ، كل حزن، كل فرح، كل فنٍّ وكلّ أدب،
حتّى هاملت، حتى فاوست، حتى الكوميديا الإلهيّة، وحتى الموناليزا، حتى سمفونيّات
أماديوس وشوبان، سيآتي يومٌ تبتلعُ الشمسُ فيه الأرض، ويلتهمُ الكونُ نفسَه،
سيكونُ أعظمَ مشهد؛ لأنّه، لا أحدَ، سيكتبُ عنه أو يرسمه، سيتساوى الكُلّ،
وسنعتنِقُ جميعاً اللاأثر.
مشاعرنا
تتبلّد إثر ترسّب الزمن، ومهما اقتربْنا مِنَ الثّابت، وجدْنا أنْ شفاهنا لمْ تذق
غيرَ سرابٍ ظنّته أفئدتنا الظمآنةُ ماءً.
أحببتُ
البحثَ عن شيءٍ ثابتٍ أكتب عنه، لم أجد، حتى الربُّ يتحوّر.
ولمّا
كانَ عليّ أنْ أقتنصَ لحظاتِ سعيدة معك، لمْ أَجِد بندقيّةً أُصوّب بها.
أردتِ
أنْ أنذر لكِ نفسي، وكمْ كانَ بودّي ذلك، لكن حينما كانتْ توزّعُ النّذور، كُنّا
بعيدين عنْ شجرتِها.
تُنهين رسالتك دوماً بقولك " المخلصةُ لكَ
جِدا أ "، وكم كنتُ كاذباً حينما قلتُ إن ذلك يُسعِدُني؛ بل كنتُ مرعوباً،
لمْ أكن أنظرُ لها كرسالةِ إخلاص، كانتْ تبدو لي زنزانةً مُستقبليّة تُدمينا
أغلالُها، بينما أنُقّبُ في الحاناتِ عن خلاص.
لم أستطع يوماً أن أكتب لك: المُخلِصُ لكِ
جِدّاً يوسف".
إنني
لا آمَنُ شرّ نفسي، قُلوبُنا بعيدةُ المأخذ، حتى عنّا، هي بينَ أصابِع الزمن،
يُقلّبُها حيث شاء.
كل
شيءٍ ولا أحد...