على
كرسي خشبي يجلس مستويا كل صباح، ارتميت جانبه، رمقته بابتسامة تضمر الألم الذي
أشعر به بعد خيانتها لي. لم أكلمه، إلا بعد دقائق معدودة، وضعت يدي على كتفه وقلت:
-
لمَ أنت شارد الذهن يا مجنون سناء؟
سحب
دخان سيجارته، زفره في الهواء، ثم ضغط السيجارة بين أصبعيه وقال:
-
آآه يا صاحبي هكذا لا يأتي الغدر كحادثة، بل كحقيقة مؤجلة، تتسلل في صمت حتى تستقر
في أكثر المواضع هشاشة فينا. هكذا وجدتُ السهم في كبدي، لا لأنه أُطلق لتوّه، بل
لأنه كان في طريقه إليّ منذ البداية، منذ اللحظة التي صدّقتُ فيها بصيص الأمل
المغشوش ذاك.
يا
سائلي عن الحب، يا من يراني مجنون سناء! أول ما رأيتها، لم أقع في عينيها فحسب، بل
وقعتُ في تأويلي لهما. كنتُ أظن أن العمق الذي فيهما امتداد لي، ولم أدرِ أنه
هاوية لا تعترف بغير نفسها.
حالما
عرفتُ ذلك، غدوت كسمكة لا تعرف من البحر إلا ما يعكسه سطحه، حتى إذا طُلب منها
الغوص الحقيقي، اكتشفتْ أنها لا تجيد النجاة.
هكذا
كانت في بادئ الأمر سناء: ليست أبهى من قمر في السماء، بل أبهى من قدرتي على الشك.
على ذلك السور الضخم الذي يحيط بالكلية، أقسمتْ بكل حروف القسم عن مدى عشقها لي، لكن القسم لا يقول الحقيقة،
بل يكشف حاجة القائل إليها. تظاهرتْ بالحب آلاف المرات، لكن التظاهر ليس كذبا
خالصا، بل هو صورة لما نتمنى أن نكونه، لا ما نحن عليه.
وفي
لحظة التجلي، تلك التي نظنها صفاء، ينكشف الغطاء لا عن الأشياء، بل عن أوهامنا، عن
شعور نظل نصدقه حتى لو كنا نعلم أنه زيف وبهتان.
كان
آخر ما رأت عيني، قبل أن تنسحبا مغمضتين هربا من الفجيعة، جسدين متلاصقين فوق
السور. لم يكن المشهد خيانة بقدر ما كان تصحيحا قاسيا لفهم خاطئ: سناء هي نفسها
التي سألتني عنها، والسور هو نفسه كذلك، لكن الذي تغيّر هو موقعي أنا في الحكاية،
حيث المتاخم لها كان غيري، شخص لا يشبهني، بل يشبهها، تؤمن بحبه وهو يكذب عليها،
ويتشاركان في لعبة جميلة اسمها " الغدر".
هناك
خرجتُ من بحر عينيها -تلك الزرقة التي تلمع كأنها تعكس نور السماء- لا بإرادتي، بل
لأن المعنى نفسه لفظني.
واليوم
صرتُ كسمكة تسبح بزعانفها في الرمل؛ لا لأنها تجهل طبيعة الرمل، بل لأنها لم تعد
تعرف إلى أي عنصر تنتمي، فكيف يُستبدل الحزن بالفرح، إذا كان كلاهما قائما على
الوهم؟ وكيف يُطلب من الرمل أن يشبه الماء، إذا كان كل جوهر لا يُدرك إلا بنقيضه؟