خلف قناع القداسة: هل تحول عيد الأضحى إلى محرقة غرائز وصمام أمان سيكولوجي واجتماعي؟ | أمينة المعاشي

يتم حساب الوقت...
عيد الأضحى: بين محرقة الغرائز وصمام الأمان المجتمعي | هارموني الحروف
مجلة هارموني الحروف

سيكولوجيا وسوسيولوجيا عيد الأضحى: بين محرقة الغرائز وصمام الأمان الطبقي

مع كل إشراقة لعيد الأضحى، يرتدي المجتمع حلة من الورع والسكينة، وتكتسي البيوت بطابع التكافل الاجتماعي والتقارب الروحي الذي يفرضه عبق المناسبة. يتبادل الناس التحايا والتبريكات، وتتخفف النفوس ظاهريًا من أدران الخلافات اليومية. غير أنه، ما إن تُشحذ السكاكين، وتُساق الأنعام إلى حتوفها، حتى تطفو على السطح مظاهر موازية وصادمة، تحول الفضاء العام والشوارع الحضرية إلى ما يشبه ثكنات في حالة استنفار قصوى.

صخب عارم يملأ الأزقة، دماء قانية تسيل لتلطخ الأرصفة، أدخنة كثيفة سوداء تتصاعد من كل حدب وصوب تخنق الأنفاس، فضلًا عن احتقان اقتصادي واجتماعي يبلغ ذروته في الأسواق والمحطات قبل العيد بأيام.

أمام هذه المشاهد القاسية، التي تصفها النخب الحضرية بـ«المظاهر المؤسفة التي تخدش وجه التمدن»، يقف التحليل النفسي والأنثروبولوجي ليفكك شفرات هذا الطقس السنوي العاصف. إن نظرة سوسيولوجية معمقة تكشف لنا أن هذا العيد يتجاوز في الوعي الجماهيري مجرد شعيرة دينية هادئة، ليتحول إلى مسرح إنقاذ كوني، ومساحة مشرعنة لتصريف السادية البشرية المكبوتة من جهة، وصمام أمان طبقي ونفسي للفئات الأكثر هشاشة من جهة أخرى.

أولًا: «محرقة الغرائز» وتصريف السادية الفطرية في المسرح الطقسي

لو جردنا العيد من طابعه العقائدي والاجتماعي المألوف لبضع دقائق، وحللناه بعين سيكولوجيا الأعماق والمدرسة الفرويدية، لوجدنا أننا أمام أداة تصريف نفسية غاية في العبقرية والتنظيم. إن المدنية الحديثة، بقوانينها الصارمة، ومؤسساتها الضبطية، وقيمها القائمة على التهذيب، تقوم طوال العام بـ«تدجين الكائن البشري». فالحضارة تجبرنا على كبت وحشنا الضاري؛ ذلك الصياد القابع في جيناتنا والذي عاش مئات الآلاف من السنين في الكهوف مقتاتًا على المطاردة، والقنص، والدماء، والمواجهة العنيفة مع الطبيعة.

غير أن الغرائز الشرسة لا تموت بمجرد أن يرتدي الإنسان بدلة عصرية أو يقطن شقة في الطابق الخامس؛ إنها تُكبت في مظالم اللاشعور، وتتحول مع الوقت إلى طاقة احتقان باطنية مدمرة قد تنفجر عنفًا عشوائيًا في أي لحظة. هنا تتدخل الثقافة الإنسانية بذكائها الجمعي لتخترق هذا الكبت عبر «الطقس المشرعن»، وتمنح الإنسان رخصة جماعية مؤقتة ومقدسة لإيقاظ الصياد البدائي في داخله، عبر تفاصيل تنبض بالسادية الفطرية:

الذبح وإراقة الدم

إن لحظة إمساك الإنسان بالسكين الحاد وقطع الودجين هي في عمقها مواجهة سيكولوجية مباشرة مع فكرة الموت وبسط للسيطرة المطلقة عليه. تدفق الدم الساخن بغزارة ورؤيته ينسكب على الأرض يوقظ في اللاشعور الجمعي نشوة الصياد المنتصر؛ فالدم هنا هو الإثبات الفيزيائي القاطع على النصر، والسيادة، والبقاء على قيد الحياة على حساب كائن آخر خاضع.

السلخ والتعليق والتفكيك

لا يتوقف الطقس عند إزهاق الروح، وإنما يتجاوزه إلى الإمعان في التشريح والتجريد. تعليق الضحية مجردة من جلدها، وبتر أطرافها، وبقر بطنها، هو استعراض صارخ وتجسيد مادي للقوة المطلقة التي كبتتها القوانين والأنظمة طوال السنة. في هذه اللحظة، يجد الإنسان أخيرًا جسدًا يمارس عليه سيادته وتشريحه وتشفيته بلا قيد أو محاسبة قانونية، وتحت تصفيق المحيطين وتشجيعهم.

النار والشوي وتصاعد الأدخنة

إن مشهد النيران المشتعلة في الشوارع والأزقة لتشويط الرؤوس والأطراف، وتصاعد الأدخنة الحارقة ورائحة الصوف واللحم المحترق، ليس سوى إعادة إنتاج حرفية للركام الإنساني الأول. إنها محاكاة لرقصة القبيلة البدائية حول الوليمة بعد رحلة صيد ناجحة. إنه الاحتفال البشري الأول بإخضاع الطبيعة بالنار، وتحويل الكائن الحي إلى لقمة سائغة ومستساغة.

فالمجتمع يشرعن هذا العنف المؤقت ببراعة سيكولوجية متناهية. إنه يسمح للفرد بأن يتلطخ بالدماء ويتعامل مع النار والحديد، بضمير مستريح تمامًا وبسكينة نفسية مطلقة، لأن هذه السادية الممارسة تأتي هذه المرة مغسولة بماء الواجب الديني، والنبل، والتقرب إلى الخالق، مما يرفع عن الإنسان شعور الإثم أو الذنب.

ثانيًا: فوضى العيد العارمة.. صمام الأمان وتنفيس الطبقات الكادحة

من السهل جدًا على المراقب المتمدن، أو المثقف القابع في برجه العاجي، أن يستهجن مظهر الشوارع يوم العيد، فيصف الأجواء بـ«الفوضى العارمة». ذلك الحكم الأخلاقي المتسرع يفتقر إلى العمق السوسيولوجي والطبقي. إن هذا الاستنفار وهذا الصخب اللذين يملآن الفضاء العام هما في الواقع أمر طبيعي، كما أنه صحي وحيوي من الناحية الاجتماعية.

بالنسبة للطبقات الكادحة، والفقراء، والفئات الهشة التي تعيش على هامش المدن، يمثل عيد الأضحى الفرصة السنوية شبه الوحيدة للتنفيس عن النفس وتحقيق نوع من «العدالة الغذائية والسيكولوجية» المؤقتة. فطوال السنة، تعيش هذه الفئات تحت وطأة الحرمان المادي، والقهر الطبقي، وضغوط العيش، فضلًا عن رتابة الشقاء اليومي والإحساس بالدونية أمام مظاهر الترف الطبقي.

يأتي العيد ليقلب الطاولة السوسيولوجية ويعيد ترتيب الأوراق، ولو لثلاثة أيام، من خلال:

  • المساواة في الاستهلاك: في هذه اللحظة بالذات، يأكل الفقير والغني نفس اللحم، وبنفس الطريقة، وفي نفس التوقيت. تختفي الفوارق الطبقية الغذائية التي تكرسها المطاعم الفاخرة والمحلات الكبرى طوال العام.
  • امتلاك السلطة والمجال: يمتلك الفقير «رعية» وسط بيته، أي الأضحية، ويمارس عليها سلطة القرار والذبح. كما أن الشباب العاطلين أو المياومين يجدون في العيد فرصة لفرض حضورهم في الفضاء العام عبر مهن مؤقتة، مثل بيع الفحم، وشحذ السكاكين، وتشويط الرؤوس.

تلك الفوضى الصاخبة في الأزقة، والصراخ والمشاحنات، واحتلال الأرصفة بالنار والحديد، هي في جوهرها «انفجار فرح عنيف ومكبوت طوال العام». إنها اللحظة التي يستعيد فيها الهامش السيطرة على المركز، ويتمرد فيها الفقير على انضباط الشارع الحضري ليملأه بصوته وحضوره الصاخب. لذلك، فإن هذه الفوضى ليست مجرد غياب للنظام، وإنما تمثل صمام أمان اجتماعي بامتياز، يمتص الاحتقان الطبقي المتراكم، ويحمي السلم المجتمعي من انفجارات أعنف وأشد تدميرًا قد تحدث لو حُرمت هذه الفئات من موسم تنفسها وصخبها الوحيد.

ثالثًا: الجذور الأنثروبولوجية.. طقس موغل في القدم قبل الأديان التوحيدية

وما يثبت أن هذه الممارسات المشحونة تلبي حاجة أنثروبولوجية ونفسية عميقة في الوجدان الجمعي، تتجاوز التأطير الديني الصرف، هو أن هذا الطقس ضارب في القدم في هذه الجغرافيا لقرون طويلة جدًا قبل دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا.

تؤكد الأبحاث الأنثروبولوجية والحفريات التاريخية أن الشعوب القديمة التي سكنت هذه الأرض، مثل القبائل الأمازيغية القديمة، كانت تحيي طقوسًا سنوية دورية لتقديم القرابين الحيوانية والدموية. كانت هذه الطقوس ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمواسم الحصاد، وتغير الفصول، وطلب الخصوبة للأرض والنساء، واسترضاء قوى الطبيعة والآلهة الوثنية القديمة. كانت دماء الأضاحي تسيل على التربة لتغذيتها سحريًا، وتشتعل النيران العظيمة للاحتفال الجماعي باللحم والنار كرموز مقدسة للاستمرار، والبقاء، والانتصار على الفناء والجفاف.

عندما دخل الإسلام إلى هذه الربوع، وتغلغل في بنيتها الثقافية، تعامل بذكاء واستيعاب مع هذه البنية النفسية والثقافية المتجذرة. لم يقم الإسلام بإلغاء هذا النزوع البشري لتقديم القرابين والاحتفاء بالدم والنار، وإنما استوعبه واحتضنه، وأعاد تهذيبه، وصياغته عقائديًا وتأطيره داخل قصة التضحية الإبراهيمية ليصبح «عيد الأضحى» بشكله الشرعي والفقهي الحالي.

هذا التماهي المذهل بين الشعيرة الدينية التوحيدية والطقس البدائي الضارب في وجدان التاريخ هو ما يفسر الاستبسال الأسطوري للعائلات، حتى في أحلك الظروف الاقتصادية وأشد أزمات الجفاف والغلاء؛ فالمرء هنا لا يدافع فقط عن التزام فقهي أو سنة مؤكدة، وإنما يستجيب لنداء وراثي، وسيكولوجي، وتاريخي قادم من أعماق الذاكرة الجمعية السحيقة.

إن عيد الأضحى، في قراءته السوسيولوجية العميقة، ليس مجرد مناسبة دينية تمر في أجواء من الهدوء الصوفي أو العزلة الروحية، وإنما يشكل غلياناً مجتمعياً شاملاً ومقدساً تتقاطع فيه الروحانيات بالغرائز البدائية الأولى.

قد تحز في النفس تلك المشاهد العشوائية في الشوارع، وقد تثير قلق وحنق عشاق النظام، والتمدن، والنظافة الحضرية الصارمة، ولكنها تظل ضرورة حتمية وصمام أمان لكائن بشري محاصر بالقيود. إنسان يحتاج بين الفينة والأخرى، ومرة في كل عام، إلى خلع قناع المدنية الضيق والخانق، ليتيح لرجل الكهف القابع في تلافيف دماغه اللاشعوري أن يبتسم، ويتنفس، ويمارس وحشيته وساديته المشرعنة بضمير مرتاح، قبل أن يطفئ ناره، ويغسل دماءه، ويعود في اليوم التالي طائعًا إلى تدجينه اليومي المستمر.

التعليقات