نَيْزَك | يوسف جُهاري

يتم حساب الوقت...

 

نيزك - مجلة هارموني الحروف
مجلة هارموني الحروف • فلسفة الأدب

نَيْزَك

قراءة أسطورية متجددة

ذات يوم، قُضَّ مضجعُ الصّخرةِ نَيْزك بكابوسٍ مُفجِع. حامت فيهِ حولَ اللانِهائية، في حلمٍ أحالَ استيقاظها إلى هرطقةٍ لا تُصدَّق.

رأتْ كيانها التليدَ يُذلّ، وكرامتَها تُمتهَن؛ مِنْ رحبةِ السّماء، من أفلاكِ الكون المتمدد، والنجوم المتلألئة، والسُّدم الأرستقراطية، إلى الثقوب السوداء والمذنبات... كُلُّ ذلك أفل وتلاشى. أمجادُها وأمجادُ أسلافها، تناقلتها الرّواة واستوقفت سَلائق الشّعراء، وكانت مدارَ اقتتالِ سُكّان العالَمَيْن بمختلفِ مشاربهم.

ذابتِ الحقيقةُ في حضنِ الحُلم، وها هِيَ نيزكُ، في أرذلِ عمرِها، تتدحرجُ، تتآكل، ترتطِمُ بكلِّ نطيحةٍ ومتردّية من حصى الأرض. كونُها الفسيح استحال زنزانةً بين قمّةِ الجبل وأسفله. ثُمَّ تُرفعُ مجدداً، بشقاءٍ أبدي بطيء. بسادِيّةٍ، يُمسِكُ المُخرجُ الكاميرا، مُتفنِّناً في تصوير مشهدِ السقوطِ المأساوي. أيقنتْ حيناً من الدّهر، أنّ التقدّم المرير نحو الأملِ الواهِم في كل مرّة، أشدُّ نكالاً على الأنفس من العذابِ نفسِه.

كانَ ذلك يتكرر إلى الأبد. لمْ تكنْ نيزك قد تلقّفتْ شكل اللانهائيّ من قبل، لكنها سمعت به كالبقية؛ أساطير الأولين نسجت الحكاياتِ حوله، لكن لا أحد عاشه. الأمرُ أشبهُ بالكتابِ المفقود في بابِل؛ الجميعُ يعتقد أنه موجود، وأنّ أحداً ما قد رآه، لكنّ ذلك الأحد، لم يره أحدٌ. وبذلك آمنتْ "نيزك" ذاتَ يوم: الكل محكومٌ بالأمد.

ودون ريب، لمْ تكنْ هي من تحملُ نفسها على الصعود، مُعذِّبُها رجلٌ أرادتْ تبيّنَ ملامِحِه، لكنّ هالةً سوداء كانتْ تحجُبُه. كان ظهرُه مُقوّساً، وملابسه ممزّقة، وجلده مسلوخاً. عرقه أصبحَ ويْلاً جهنّمياً، عيناهُ جحظتا، أصبحَ هيكلاً، وتجسيداً للخلودِ في أحواضِ سقرٍ الحارقة.

"إنْ كانَ ذنباً اقترفناه سويّاً، فنحنُ نستحق العقاب، لكن هل يوجد إثمٌ يستحق العذاب الأبدي؟!"

أثناءَ تساؤلاتِ الصخرة المتوجّسة من خلفِ زجاجِ متحفِ اللوفر، حمدت الله على كون الأمر مجرّد أضغاث أحلام، قبلَ أن تسمع وقعَ أقدام تدنو. "إنّها تهذي دون شكّ"، هذا ما قالتْ؛ لأنّ القادِمَ كانَ رجلَ الحلم، ولأنَّ موطنها كانَ قفرَ أسفلِ الجبل، لا أضواءَ عاصمة الأنوار.

حملها سيزيف مجدداً ثم قال: "سنصِل هذه المرّة، يا نَيْزك."

تارةً أخرى، في الزّمن الذي لا يُدرك، اقتربَ الزوجانِ من بلوغ النهاية. الحلم، حلم الصخرة، كانَ يوحي بأنها ما زالت متشبثة بالأمل. تأمّلتْ أقدامَ سيزيف، وبنظرةٍ ضبابِيّة، لمحتْ أنّ الحاجِزَ أمام بلوغِ القمة، قدمُهُ نفسها؛ كُلّما اقترب، عرقلَ اليمنى باليسرى.

لم يكن يريدُ الوصول أبدا، كانَ سيزيف نفسُه الإلهَ الذي عذّبه.

التعليقات