العِلْكة | بلال الخوخي

يتم حساب الوقت...
قصة: العِلكَة - مجلة هارموني الحروف
سرديات معاصرة
مجلة هارموني الحروف

العِلكَة

نص سردي بوليفوني

مثلما ترفرف هذه الستارة مع الريح، أراها تترنح في الشارع، تميل يمينا وشمالا كأن أيادي أشباح تتقاذفها. ما الذي أودى بها إلى هنا؟ لعل البعض أرشدوها إليّ، أو لعلها اتبعت حدسها وحسب. أنظر إلى نعلها البلاستيكي الأزرق، وإلى سروالها الأسود المتسخ. أدقق في جسدها الضامر كرجل لقلاق؛ أفكر في كونه يخفي تاريخا قصيرا من الجمال والانعراجات الجذابة، ثم يسرح تفكيري ويجمح ممعناً حين أتخيلني أهتم بها حتى تستعيد جمالها وأتخذها رفيقة. أضحك من نفسي وأتحرك غير مبال إلا بأمر واحد؛ أنَّها قصدتني دون غرمائي، وهذا هو الأهم، أما عن الناس؛ فسأظل كثيرا أعبر الشارع وأسمع أقوالهم المحتدمة حولها، بينما تتكوم هي في الركن ملتحفةً ملاءتها، ومرتشفة بقايا قهوة تفضل بها أحد العابرين كي يتخلص من إلحاح تسولها.

⬥ ⬥ ⬥
الصوت الأول

هل ينقص الحي عاهرة أخرى تتسلط عليه؟ أقسم لكم أنها من المجانين المسرحين بالليل خفية كي ينتشروا بين الدروب. انظروا إليها، إلى ملابسها، وإذا أنتم دققتم في يديها ستلاحظون آثار الحقن عليهما. إني أراها دائما تذرع الشارع من طرفه إلى طرفه، حتى إنها تتجرأ أحيانا فتقف بجانب باب الحانوت مادّة يدها إلى الزبائن؛ أحاول أن أنهرها بلطف حين يكونون، لكن بمجرد أن يغادروا؛ أطردها. نعم أطردها، ولكم أن تعتقدوا أنني ألبس سترة الوقاحة بفعلي هذا، لأنكم لا تعيشون معاناتي؛ هذا باب الرزق، كيف أسمح للنجاسة بعينها أن تقف على باب رزقي؟ لو استطاع أحدكم أن يبقى معي يوما واحدا فقط، أو، نصف يوم، نصف يوم وسيرى أنه لن يصبر، فكيف بكل يوم؟ لقد كلّمتُ في شأنها جارنا محمد، الشرطي، لكنه اكتفى بهز كتفيه في لامبالاة، ثم استنصحت الأستاذ، فقال إنَّ الأفضل لي أن أتجاهلها لأن من هم مثلها لا يطيلون المكوث في مكان حلوا به. سوف أصبر لأيام إضافية لأنني أثق بكلامه، وسأنظر بعدها إلى أين ستؤول الأمور.

الصوت الثاني

إنها ضحية أبيها المكبوت، ظل يمسح فيها أوساخه الغرائزية منذ كانت طفلة؛ فلم تع حالها إلا بعد أن أمست خرقة بالية، حينها انتفضت، وغادرت قريتها نحو حينا مباشرة. هذه قصتها بخلاصة، أما تتمة القصة، فيستطيع أي كان أن يستنتجها، لأنها نسخة مكررة بكثرة، لقد امتهنت بيع الجسد، وأظنها ما عادت تحس بأثر الاحتكاك في أحشائها؛ لذلك صارت تقدم نفسها مقابل دريهمات معدودات. إنني أعذرها، لا أدعي أنه لم يكن لها حلول أخرى، وإنما، على الأقل، أعذر جهلها، فمن سيرشدها وهي القادمة من بقعة سحيقة لا يعلم بوجودها غير ساكنيها؟ قد تكون انجرفت مع حياة الشارع بما تحمل من أدران، تتعاطى المخدرات وتعاشر الصعاليك والسكارى، ولكنها، ضحية كذلك. قد يتبادر إلى الذهن أن بيدها أن تعمل بشرفٍ في أي مكان لأجل مصير أفضل، لكن الواحد منا ينسى كم يصعب عليه تغيير نمط أكله، فكيف بالتي غرقت في مستنقع موبوء؟ فلندعها في حالها مادامت تستهدف سكان المستنقع فقط، وحتّى لو استهدفت غيرهم؛ فلا يمكن لعاقل أن يرضى بها على فراشه.

الصوت الثالث

لا حول ولا قوة إلا بالله، الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا ممن خلق. سوف أوصي زوجتي بالاهتمام بها أحيانا، سوف تطعمها وتنصحها، وهكذا، بالرفق واللين قد تكسب ودها، ولعلنا نراها بعد ذلك تتوب وتهتدي إلى سبيل الخلاص مما هي فيه، فالله تواب رحيم. إن الله يبتلينا بمثل هؤلاء ليمتحن إخلاصنا له، يبتلينا لينظر هل سنبادر أم سننزلق. فليهدها الله رغم ما هي فيه من حالٍ مزريةٍ مقززةٍ، ولكن، لا ننسى أن الله أدخل إلى الجنة عاهرة من بني إسرائيل، ورغم ذلك، لن ندع الفتاة تعرض نفسها للفاحشة جهرا، حاشا لله، سوف ننصحها ونأخذ بيدها، أما إن اقتضى الأمر تدخلا آخر؛ فلن نتردد. سبحان الله، اللهم استرنا، اللهم استرنا.

الصوت الرابع

تخوّفني أمي دائما بهذه الفتاة، تقول لي: "هكذا سيكون حالك حين تثقين بالرجال". ذات مرة، صادف أن كنتُ برفقةِ أحد زملاء الدراسة، محمود، تعرفينه ربما، هو أحد النجباء، وهو أبعد من أن أهتم بعلاقة معه ههه، ولأنني محظوظة جدا؛ لم أفطن إلا ويد أمي تجرني من أذني ههه. إن الذي حز في نفسي؛ أنها رأتني مع محمود، كيف سأفكر في محمود؟ لكن أمين، نعم، آه لو أنها باغتتني بينما أمشي مع أمين، لكنت فخورة، لكن أمين، يستحيل أن ينظر إلى واحدة من هذا الحي ههه. تخيلي، لقد جرتني أمي مباشرة إلى حيث الفتاة، هل تتخيلين المنظر المضحك؟ ههه. قالت لي: "انظري إلى نفسك في المرآة"، لم تفهم الفتاة المسكينة ماذا يحدث أمامها، تفاجأَتْ بامرأة تشير إليها بأصبعها بينما تجر ابنتها من أذنها، لقد بقيت تنظر فقط، مذهولة، أو ربما مرتعبة، أنا لو كنت مكانها لقهقهت من الموقف هههه.

⬩ ⬩ ⬩

تتلقفني عينا "لْوَدْراسي" فيحيّيني من دكانه بصوتٍ كأنما تعمد إسماعه لسكان الحي جميعهم، إنه يناديني دائما بـ"أستاذ"، حتى صار الجميع ينادونني مثله. أردّ عليه التحية وأنعطف عند نهاية الزقاق، عند الركن، حيث تلتصق الفتاة. تراني فتنتفض، أشير إليها بأن تهدأ. أتأكد من خلو الموقع من العيون المراقبة؛ أفتح حقيبتي فألمح الفتاة تكشف عن ساعدها الأيسر وتكمش بيدها اليمنى أوراقا نقدية. أُعد الحقنة ثم آخذ النقود وأَعدها، أمنحها حقنتها وأعطيها القرصين اللذين طلَبَتْهما، ثم أوليها ظهري وأنصرف بخطواتي الواثقة.

© 2026 مجلة هارموني الحروف. جميع الحقوق محفوظة للنص ومبدعه.

التعليقات