الكتابة أو ممارسة الحب: رسائل من عتمة الهوية|يسرى البرجيجي
هذا الصباح بارد، والنسيم يتغزل بي بين الفينة والأخرى متسللا من النافذة، أما خيوط الشمس فتنعكس كعروس جديدة على غرفتي المظلمة، وأنا ما زلت أفكر مليا في رسالتك الأخيرة، عن فكرة المحاولة، والشعر، والرسائل الحميمية بين ذكر وأنثى، وكيف نكتب للآخر! ما الدافع الذي يجعلنا نكتب! والحضارة الهجينة!
أسئلة جعلتني أنام في حيرة من نفسي، ومن العالم، وكل ما يحيط بي، لأني أدرك مدى صعوبة الإجابة عن رسائلك، فهي تشغل تفكيري مليا، وترهق مشاعري بإحساسك المرهف، ومشاعرك الرقيقة، إني حينما أريد أن أكتب لك أشعر أني أكتب لنفسي في الحقيقة؛ أنت لست جزء وحيدا منفصلا عني، لأنك مني وإلي، مثلما خلقت حواء من ضلع آدم هكذا تسربت أنت من أحضاني ذات يوم دون أن تدري ذلك.
أعرف أنك شغلت نفسك كثيرا بدراسة الفلسفة، ولكنك لحد الساعة هذه لم تستطع الإجابة عن سبب امتلاؤك بي حد التخمة، لماذا تكتب لي كلما شعرت بالأسى! وكأني السعادة المؤجلة لديك في هذه الحياة، ترى ما الذي يجعل الإنسان يتجه صوب حضن واحد دون الأحضان التي يمكن أن يحصل عليها في الطريق أحيانا عدة! هل حقا فكرة الحب موجودة! أم أن الأمر يتعلق بشيء يستعصي على التحليل!
خفي غير مرئي؟ في الظل! والهامش! سحر! تعويذة! شيء لزج ينزلق كلما حاولنا الإمساك به هو الحب؛ مثله مثل الكتابة، نحاول جاهدين مرات عديدة أن نكتب ما يخالجنا فعلا، ولكننا في المقابل نجد أنفسنا نركض في ساحة كبيرة وراء مشاعرنا دون أي جدوى، لا نستطيع الإمساك بها، في الأخير نحرق كل الكلمات اللعينة التي خطت في ورقتنا، لأنها لا تعنينا بالشكل الذي نتمناه، مشاعرنا لا يمكن أن تكتب بالحقيقة التي نريد لها، لأنها على نحو مشفر تكمن في جانب اللاوعي داخلنا، وأنا هكذا أردى جثة هامدة، طريحة ورقة قاتلة كلما أردت التعبير والافصاح عن مشاعري تجاهك؛ إن أكبر هزيمة نكراء تصيب الكاتب وتجعله يفكر في الانتحار، هي عجزه عن الكتابة.
المنطق يقول أن الأشياء التي تشعرنا بالسعادة، غالبا ما تقتلنا في الأخير، لأن السعادة مفهوم مؤجل لفكرة اللأمل التي تعترينا عند نهاية كل طريق.
أكتب لك ببطء شديد كأني أخاف أن تهرب من أناملي، فحتى لحظات الكتابة لك تعني لي ممارسة الحب معك بطريقة مختلفة ، لذلك لا أريد لها أن تنتهي هكذا بسرعة، أو بلمح البصر، أريد أن أشعر بالحروف تخرج مني كما تلد الحبلى وتقاوم الألم من أجل ولادة طفلها الأول، أحاول جعل الحروف تزدحم في قلبي وتركل بكل قوتها كي تخرج لك حرة طليقة، حيث لا مجال لاستردادها إلي، أنا ملك يمينك في الأخير، وما هاته التأوهات سوى صوت مشاعري داخلك، إنك أنا دون أن تشعر بالأمر.
تحدثت طويلا عن الهوية، هذا المفهوم الشائك الذي تاه في البحث عنه الكثير من الفلاسفة أذكر منهم دريدا والخطيبي، لكن لا يهمني رأيهم، لي منظوري الخاص عن الهوية، فأنا بمعزل عن هذا كله أرى أن الهوية إذا لم تنبثق من الحب فلا داعي لوجودها، أدري تماما ما أقول، نعم الحب هذا الشيء النقي، لذلك قال درويش:
«شعرت بأن وطني احتل مرة أخرى، حينما خانته ريتا، ومنحها قلبه كعربون حب منفلت من منطق الهوية.»
لقد كانت ريتا تعني له الهوية حين أحبها ، تلك الهوية العابرة للغات، والثقافة، والدين، والحضارات، والبطاقة الوطنية .... هكذا فالهوية إذا لم تقترن بالحب الذي ينسل من هذه الاحتمالات فلا يمكننا قط أن نتحدث عن هوية تنفع الإنسان والانسانية، لذلك فنحن نظل نشعر بالغربة حتى في وطننا، وهذا ما ذكرته لي.... إننا يا عزيزي لم ندرك بعد ما هو الحب؟ كي نفهم لماذا نكتب! ولماذا نحيا في الأصل! وهكذا أبد الظهر لن نفهم الهوية.
دعنا من هذا كله، فلنتحدث عنا قليلا، أعرف أن هذا الحديث شيق، وأن أتجاذبه معك أمر أروع كأننا نشارك قطعة حلوى شهية، ولكني أريد أن أحقن نفسي بك، أن أسترد ذاتي المفقودة، أن أدرك معنى الوطن معك، وأن أشعر بهويتي حية تنتعش بين أحضانك، إني أحس معك بطعم الأمومة، أرى أنك إذا ما رحلت يوما ما سأغدو يتيمة.
أتعرف ما التفاهة الحقيقية التي تقتلنا يوما بعد يوم، هو أننا نكبل أيدينا بدل أن نطلق عنان الإبداع، نهاب الطيران نحو الأفق الشاسع، تخيل إننا نخاف حتى من الرقص بيننا وبين أنفسنا، جسدنا بات رخوا لأنه لا معنى له جامدا، ونحن يا حبيبي كالصخر لا نفعل شيئا ينتفع به، لا نمارس الحب، ولا الفن، ولا الموسيقى، ولا نفقه في السينما، ولا نقرأ الكتب، ولا نقبل جبين الأمهات كل يوم .... لا شيء يوحي بالحياة في ما نسميه نحن حياة!
وحدك أنت، وحدك فقط أدرك معه مدى أهمية الدقائق، وأعدُّ عدد الخطوات للوصول إليك، ويميل جسدي كأني غارقة في ثمالة الخمر، وأشعر بالموسيقى تسري في عروق دمي ... الحياة بجانبك لا تشبه الحياة في العالم الخارجي، لأني كما قلت لك سلفا إن العالم بالرغم من أنه يبدو حركيا يجري بسرعة الأرانب، ومزدحما كصناديق الأسماك لكنه في الحقيقة المؤلمة فارغ، فارغ تماما من الحب.
شوارع المدينة، المقاهي، الأماكن الضيقة، وحتى الشاسعة، والبحر، والحدائق الفسيحة، والساحات ... لا يوجد فيها سوى أناس يركضون نحو اللاشيء، اللامعنى، واللاحب، عيون لا تعرف نفسها قط، كي تفهم معنى الحب والهوية؟
أرجوك لا تحلل كثيرا الأمور، أعرف أن العالم ليس بخير، ولكن ما شأننا أنا وأنت، دعنا نتعانق لكي نتحرر من هذا العالم؛ القصيدة التي يجب أن تكتب يجب أن تكون عذراء لا تعرف أي شيء عن العالم، ميلادنا أيضا أنا وأنت يجب أن يكون في الظلام الدامس، تعرف أني أحب الأسود كثيرا، لأنه يحجب الرؤية، ويجعلنا نغرق في أنفسنا، وحده الأسود يفسح لنا المجال للذهاب إلى أبعد نقطة في الوجود.

التعليقات