ٱخر مرة تذكرتك | يوسف جُهاري

يتم حساب الوقت...

 

مجلة هارموني الحروف

آخِرُ مرة تذكرتك

يوسف جُهاري

المتاهةُ التي لم يستطع أستريون الخروجَ منها، وقفتُ عندَ بابِها الأخير الذي يُحيلُ لِعالمِنا، لكنّ بورخيس، في كُلّ مرّة أقرأُ له، يفتحُ مسارات أخرى لا مُتناهِية، أفتحُ الباب، لأجدَ نفسي أمامَ أبوابٍ أخرى.

هذا مُزْعِجٌ جدا، ولذيذ في آن، لا لأنّ معرفةً جديدةً تكشف عن ساقِها أمامي، ولكنْ، لأنني أشعرُ بمعرفتي السابقة لذلك، كانَت مخفيّة في غيهبٍ مني؛ نفسُ إحساس وينستون، وهو يقرأُ بيانَ غولدشتاين.

يظنّ بورخيس أننا في كلِّ مرّة نتذكر شيئا من الماضي، فإننا لا نتذكّرُهُ ذاتَه، ولكنّنا نتلقّفُ صورةَ آخر مرّةٍ فكّرنا فيها بذلك الشيء، أمّا الشيء نفسُه، فلا يمكِنُ الإمساكُ بهِ إلّا مُتشظّياً، مبتوراً، مسخاً فرانكشتاينيّاً.

ولا شكَّ أنني مؤمِنٌ الآن بإضافتي طبقاتٍ من التشوّه عليك في كلِّ مرّةٍ تذكّرتُك، وأخشى أنني أتذكّرُ الآنَ شخصاً آخر تماماً، غير الذي كنتِ عليه. أتساءل، ما نوعُ المخلوقِ الذي أصبحتُ عليهِ في مخيّلتكِ بعد كل هذا الزمن؟

ما تفعلُه الأجيالُ بالكتبِ السماويّة، نفسُ ما يفعلهُ الزمنُ في ذاكرتِنا تجاهَ الآخرين، أحببتُ أنْ أكتب لك، ومن المفروضِ أنْ كتابتي عنك، لكنني خجولٌ الآن؛ لأنّها ليستْ إلّا كتاباً عن شخصٍ أصبحَ خيالاً مَحْضاً. لكنّ ذلك لنْ يمنعني من أن أكتبَ عنك، عنْ طيفِك، عن الشخصِ الذي رُبّما أردتُ أنْ تكوني، أوْ ربّما ما أرادتْ المكبوتاتُ أن تلتقيه.

لستُ مُقتنعاً بالاستمرارِ هُنا، لكنّ تقاليدَ الموتِ البطيء، تفرِضُ عليّ ألّا أُغادِرَ عجلةَ الحياة بتدخّلٍ مِنّي، رُغْمَ أنّ كرامتي ترفضُ أن يطردني أحدٌ من نافذةِ الدنيا، قلتُ أحد، وأعني أيّ شيء. النّبلُ - بالنّسبةِ لي - يقتضي الانسحابَ مِنْ عالَمٍ سيسحبُكَ من مؤخرتك للقبرِ فقط لأنّك لمْ تحترم قانوناً من قوانينِ طبيعتِه، قانونٌ لمْ تكنْ لكَ أدنى أنملةٍ في تسطيرِه.

❈ ❈ ❈

وحتّى أستمرّ يا حبيبتي، عليّ أنْ أنظرَ بعيونِ العالم، عليّ أنْ أبجّلَ الساكوراتِ والجوري، وأقفَ مشدوهاً أمام الشمس المُنقبّة، عليّ أنْ أصغِيَ السّمع لوقعِ المطر، وأنْ أنتظرَ الليالي الصافية وأعدّ النجوم، عليّ أنْ أتغزّلَ بالغروب، ثمّ بالموازاة عليّ أنْ أدرس، ثم عليّ أن أتوظّف، وعليّ أن أشتري بيتاً وسيّارةً وأتزوّج، ثمّ أُنجِب طِفْلاً، هو الآنَ رُبّما ينظرُ إليّ من الغيب، ويدعو أنْ أقذفَ به خارجَ فرجِ أمّه.

إنّ الملل الذي يعتورنا ناحيةَ الأشياء، لدليلٌ على جمالٍ غيرِ أصيلٍ فيها، نقولُ عنْ شيءٍ ما إنّه ساحر وفاتِن، لكنّ أعيننا تعرض عنه لشيءٍ آخر نقولُ عنهُ نفسَ الشيء، أيّ متعةٍ في أنْ نخوضَ طريقاً واحدةً، توهمِنا تفرّعاتها أنّها طرقٌ متعددة؟! ستقولينَ إنني أبالِغ، وإنني أنهلُ من الإناءِ الذي أبصقُ فيه، طبعاً حبيبتي، وهذا النفاقُ، وهذا التظاهر كلّه لماذا؟ فقط كي أستمرّ، كي نستمرّ، نوهِمُ أنفسنا بالانتماء لأشياء نظنّها تُعجبنا، حتّى لا نسمعَ طبولَ الحروبِ الأهليّةِ في ذواتِنا. أسلافُنا البدائيون، اجتمعوا أوّل مرّةٍ حولَ النّار جلباً للدفء، ثُمّ قالَ أحفادُهم إنّنا نجتمِعُ تحتَ ظِلِّ الهويّة.

هُنالك في مكانٍ ما في الغيب، كانَ من المُفترض أنْ أعيش كابني، كيفَ تملّصتُ من العدم؟ ذلكَ سؤالٌ، أريدُ أنْ أطرحَه على نفسِيَ الأولى، التي رضختْ أمام فتنةِ وضْعِها أمامَ خيارين.

❈ ❈ ❈

كيفَ أمضي أيّامي وسنواتي؟ بينَ العملِ والبيت، البيتِ والعمل، عاشرتُ فتاتين بعدك وفارقتهما، لسبب بسيط: إحداهما كانت تصمت حين يجب أنْ تتحدّث، والأخرى كانت تتحدث حين ينبغي أن تترك نافذةً للصمت. منْ يجيدُ تدبير حيّز الحديث والصمتِ يظفر بالقلب، أمّا العينُ فعاهِرةٌ تقعُ في شراكِ أيٍّ كان.

أنتقلُ بينَ دوستويفسكي وغوغول وبوشكين وكونديرا وبورخيس وبوكوفسكي وهمنغواي ومحفوظ والمتنبي وأبي العلاء، دونَ أنْ تكونَ لي نيّةٌ في البحثِ عن شيء، إنني أزجي الزّمن المُرتاب فقط، لعلّني الوحيد الذي يمقُتُ نُقْصانَ الساعةِ في رمضان؛ لأنّ ذلكَ يُبْطئ العقارب، أرجو الاستيقاظ كستينيّ ذات غد قريب، إنْ كنتُ ماكِثاً أمداً بعيدا.

أريدُ أنْ أوجد، أريدُ أن أتموضعَ في خانةٍ ما، لكنّ كلّ المربّعاتِ تضيقُ عن احتمالي، تزحزحني لهامِش العُزلةِ، وتُدحرجني لظلماتِ الأقبية.

أكتبُ أحيانا بعض التّرهاتِ التي تنفُخُ ريشي، كبرتُ في عيني وصغرتُ في عينِ الزّمن، أمسكتُ بناصيةِ الإبداع، لكنّ الصِّدقَ غادرني غيرَ مأسوفٍ عليه، أتذكّر أن آخر مرّةٍ كنتُ صادِقاً فيما أكتب، ربّما كانتْ معك. والآن، أنا جالِسٌ في مقهى عتيقٍ بحيّنا، رواية مذكّرات قبوٍ، قهوةٌ باردة، وسجائرُ (إل إم) بيضاء، دخّنتُ الكثيرَ قبلَ أن أكتب لكِ كيفَ تمضي أيّامي. عندَ عقبَ سيجارتي الأخير قبل المغادرة، أحاوِلُ رسمَ طيفِك المُشوّهِ عبرَ دُخانٍ كثيف، ارتطمَ في السّقف الكالح، ثمّ غادر صوبَ وجهةٍ ما.

التعليقات