شامانٌ أخير | نزار لعرج

يتم حساب الوقت...
مجلة هارموني الحروف

شامانٌ أخير

نزار لعرج

مَن قال إنني اعتصمتُ بالصمتِ هذه الليلة؟ وأنتِ العَلِيمَةُ أن لغتي هي مدار هُوِيَّتِي، وَنُسُغُ أَنْفَاسِي صُعُودا وهُبُوطا.. لكن هل تتخيلين حجم الثقل الذي يورثه هذا العناق الأبدي مع المعاني؟ إنها لعنة الميداس؛ كل ما ألمسه بفكري يتحول إلى ذهب لغوي بارد، بينما أتوق أنا إلى دفء الأشياء في صورتها الأولى.. قبل أن تلوثها الاستعارات. ثمة وحشة ضارية في أن أكون الصائغ والقتيل في آن؛ أن أقف أمام تفاصيلكِ البسيطة، فلا أجد لإنقاذها من النسيان سوى تعليبها في مجاز. أشتهي العَرَاء الأوّلي للأشياء، قبل أن تقضم أبجدية الإنسان براءتنا العذراء، أريد أن أشفى منكِ كمعنى، لأمرض بكِ كحضور؛ أريد الماءَ ارْتِوَاءً لا اسما في معجم.

حتى حين أهجو اللغة، تفهم هي بأمومتها الطاغية أنني ابنُها البار الذي ضاق بحدود المجاز. لقد أتعبني هذا الضجيجُ الأبجدي، وأشتهي الآن الركون إلى لغات أكثر بدائية، أكثر صدقا، وأقل تزييفا.. لغة لا تحتاج إلى نحو أو صرف: ربما كانت يدا تلمس كفا، أو جبينا يسند جدارا، أو أنفاسا تختلط في زحام الباب.

أتذكر حين قلتِ إنكِ تخافينني لأن مهنتي - هوايتي - اللعب بالكلمات، يومها رميتِني بظنة الاحتيال النبيل، غير أني معتل اجتماعي يكتب بكفاءة عالية، لا أجيد حتى بديهيات التعبير خارج الورق. ها أنذا اليوم، أخلع عني دروع البلاغة، أقف أمامكِ أعزلَ إلا من رجفتي. فلا تراقبي حركاتي، ولا تفتشي في سكناتي.. فالمراقَبُ يفقد عفويته، وأنا أريد أن أكون معكِ خارج النص. هذا الانفصام العذب والمرعب؛ أَنْ أكون نبيا مَهيبا على السطور، وكائنا أَكْسَحَ خارجها. لقد كان الحبر ذخيرتي الأخيرة لأخفي عُريِيَ الاجتماعي عن العالم، بينما أنا الآنَ أمام جسدك الحيّ، طِفلٌ يعجز عن تَهْجِئة العفويّة.

حين تهمس اليد على كتف العابر، أو ترسم الأصابع في الهواء الضبابيّ سؤالا لا جواب فيه، فأجمل ما قيل لم يُقل بعد.

لكن هذا السكون المرتقب يمر أولا بعاصفة الخلق. هل تسمعين هذا الخفق المحموم الذي يرج قاع المجاز؟ إنه صوت الحياة البرية العارية يدعوك: (Segura esse bailão).. تمسكي بهذا الجنون الراقص قبل أن يفوت العمر. انفضي جدائلك التتارية لتكتبي بها في الفضاء ديوان التمرد العظيم؛ كوني كارمن الليلة.. بغجريتها الطاغية، بكبرياء خنجرها، بسخونة دمها العاصي على التطويع. الليلة نطحن عظام المعاجم تحت أقدامنا اللاهثة، فلا نحوَ يلجمنا ولا صرفَ يزِننا، فعلامة الارتجافة هي الفلسفة البكر، والملحمة المنهمرة من أعلى.

تمسكي بي.. فما هذا الدوران اللاهث إلا محاولة للطيران خارج سجن الأبجدية. أنظر إليكِ، فتجتاحني جدائلك التتارية، هذه الخيول المجنونة تعبر سهوب روحي، وأنعتق منها كشامان حديث.

أتعلمين؟
أريد أن أُفهمَكِ اليوم بالحد الأدنى من الكلمات.. وبالحدِّ الأقصى من الوجود.
أن أضع رأسي على صدركِ كأنها (الـ) التعريف التي تمنحني أخيرا هوية محددة بعيدا عن شتات التنكير..
وأن تمسّدي شعري كأنكِ تفتحين (قوسين) يحميانني من العالم..
ثم نسكنُ معا.. تماما كـ (النقطة) التي تضع حدا لركضِ الجملة اللاهث، وتعلنُ قيامة السكينة..

- خارج حدود المجاز -

تَعِبْتُ مِنَ النَّحْتِ.. فِي مُفْرَدَاتِي
وَمِنْ لُغَةٍ.. تَدَّعِي أَنَّهَا ذَاتِي
فَخُذِي يَدِي..
وَارْسُمِي فِي الهَوَاءِ سُؤَالاً..
يُبَعْثِرُ كُلَّ حِكَايَاتِي
وَضَعِي النُّقْطَةَ الآنَ.. بَعْدَ العِنَاقِ..
لأَنْجُوَ مِنْ وَجَعِ الكَلِمَاتِ.
مجلة هارموني الحروف © كل الحقوق محفوظة

التعليقات