ثلاث قصائد درويشية إلى وميض
الأماكن عش عنكبوت لا فكاك من حبائله المتواشجة. وعندما تضعُ رجلاً أولى في شبكته يتصيدك. هذا المكان.. مقهى "لا كورنيش".. على بعد أقدام من شارع مصطفى السايح الذي يطلق عليه الناس عادة إقامة الصباح، لأن هذه الإقامة تطلّ على هذا الشارع. كانت مقهى عادياً وجميلا كأي مقهى جذاب في مدينة رأسمالية. غير أنها كانت كل يوم تمدّ لي نباتاً من يدها الزجاجية، كل يوم كانت تملأ أنفي بعطر جسدها الخشبي، برائحة البحر عندما يتنفس ريش البجع، تنهيدات المكتئبين، وذكريات الغرقى...
كانت قهوة صغيرة مربعة الشكل كعلبة هدية. في الخارج مساحة صغيرة تتسعُ لثلاث مظلات تظلّل كراسي بنية تحيط بطاولات من خشب المران الأصفر الداكن، وفي الليل يضيئها نور خافت يجعلك ترى من أمامك كما لو أنه شمعة. في الأول كنتُ أجلس في الخارج مع أصدقائي لنتنعم بنسيم البحر، ونرتاح من الضجيج. وفي ذلك الركن، قربتُ ديوان درويش من النور لأقرأ فشع في عيني لهب من شعره كما لو أنه أوقد السراج بيني وبين من بجانبي لأراه ويراني.
اجتزتُ العتبة. زليجها أملسُ أسودُ وبابها زجاجي. رأيتُ انعكاس وجهي في شاشة معلقة على جدار مصمم بأسلوب أنيق، تعلوها بقليل على اليمين لوحة قماشية بمقاس 40 سنتم في العرض و105 في الطول. وفي اليسار لوحة قماشية أخرى بمقاس أكثر اتساعاً. كانت القهوة من الداخل تنقسم إلى نصفين يفصل بينهما عمود مربع اسمنتي مطلي بصباغة أكريليكي بيضاء مائلة إلى لون رمادي. النصف الأول كان جهة المطبخ والنصف الثاني جهة الزجاج اللامع الذي يطلّ على الشارع والبنايات المتآكلة بتأثير الرطوبة المرتفعة. كانت الكراسي مختلفة بين الجهتين. جهة المطبخ كانت كراسي شبيهة بماركة النيرو لكنها مختلفة قليلاً. منخفضة إلى الأرض وعريضة خشبها من الدردار الصلب، ثُبّت عليها دعامة ومسند من الجلد القرمزي.
أعلى المطبخ جدارُ مزين بثلاث صور فوتوغرافية من الحجم الكبير، واحدة لصومعة حسان، بجانبها لوحة لبرج محمد السادس ليلا، وثالثة للملك. في الوسط يتقدمُ عمود خرساني بحوالي 25 سنتيماً علقت عليه لويحة رمادية صغيرة مستطيلة منحنية الزوايا، لفتاة تلبس فستانا قصيرا وتفتح ذراعيها. وفي الأعلى دنت مصابيح صفراء خافتة تنعكس على زجاج الجهة الأخرى.
اخترتُ الجلوس في الجهة التي تطلّ على الشارع، وفي كل المرات التي كنت أرتاد لا كورنيش كنتُ أجلس في ذلك الجانب، سواء وحدي أو مع الأصدقاء. في ذلك الجانب كانت أمامي شاشة كبيرة تنقل مباريات كرة القدم أثناء المونديال، وقبل المونديال كانت مخصصة للموسيقى. تتكرر الموسيقى نفسها. في الخامسة موسيقى صاخبة تثير حماس الزبناء، كنت أبغضها. في الثامنة روميكس لعمرو دياب، أو شيرين. في العاشرة قبل نصف ساعة من إغلاق الأبواب كانت الفتاة التي تشتغل هناك تشغل عمرو دياب وأحياناً إليسا. كان اسمها مألوفاً وكانت واقعة في حب ما.. تحت الشاشة كان المقعد عبارة عن أريكة قرمزية عريضة تتسع لأربع طاولات من الحجم الصغير قبالة كل طاولة كرسي أسود مغلف بالجلد.
جلستُ مرة واحدة على الأريكة فلم أرتج. شعرتُ كما لو أني عضو في لجنة والمترشحون يرتعدون أمامي. غيرتُ مكاني إلى الكرسي ما قبل الأخير الملصق بالزجاج. في البداية كنتُ أحب ذلك المكان لأن الليل يجمله بانعكاس مصابيح الطريق، ويجعله مرآة لوجوه شتى. أحياناً أستندُ إليه وأتأمل السيارات المصففة، المارة، كل أنواع الناس. في الجهة الأخرى من الشارع ممشى شهي. ترفرف على جنباته نخلات عاليات متباعدات، وحذاء كل نخلة مصباح معلق. وعلى طول الممشى بنايات بيضاء.
في مساء بارد من صيف يونيو، ارتديتُ المقهى لمشاهدة مباراة كرة قدم بين المنتخب المغربي والمنتخب النرويجي. علني أحظى ببعض التسلية والمتعة التي أكسر بها روتيناً قاتلا كنت أعيشه لستة أشهر. جلستُ مكاني المعتاد، بجانبي أصدقاء يشاهدون المباراة معي. وفي الخلف كادت تجلس فتاة عشرينية أمام حاسوبها المحمول. قال لي صديق إنها لوحة مرسومة بعناية بالغة، كل حرف في وجهها متناسق وبديع. استدرتُ لأَنْظر لها من جديد فلاحظت ذلك، بعد دقائق انتهى الشوط الأول من المباراة، فخرجت لأستنشق الهواء، وفي طريقي للباب رمقتها بنظرة أخرى فتبدّى لي وجه ساحر لذيذ ملائكي. شبهت لي ممثلة أمريكية في ملامحها وجهها وشعرها، فعدتُ لأرى وجه تلك الممثلة، كان اسمها "جينا أورتيغا". ارتابت البنت فقلقت. وفي نفس الوقت استيقظت غريزة ذكورية مغربية لذيذة في إزعاج أنثى بنظراتي. في التاسعة حملت متاعها وغادرت. وقفت في الممشى وشيعتها وهي تغادر. بنت جميلة عبرت مثل أي بنت. تحدث أنصاف القصص هذه في المدن الشاعرية. انطلق الشوط الثاني فعدت للمشاهدة ونسيتُ الفتاة.
بعد يومين عدتُ للمقهى، كان معي الصديق الذي أُعجب قبلي بالفتاة، فوجدنا الفتاة في المقهى، لم أتعرف إليها في البداية لأني لم أتوقع أنها ستكون هنا. عندما كنا عائدين للبيت كانت أمامنا تمشي. كانت جميلة وأنيقة. جسدها ممتلئ قليلا وتلبس تنورة طويلة وكنزة لا أتذكر لونها. وبين الفينة والأخرى تحدجنا بنظرة لتتأكد إذا كنا خلفها. وفي كل مرة كانت تبطئ السير.. أكانت تقصد أن أبادر أنا أم هو؟ أم كانت انزعجت من شابين يمشيان وراءها وتريد أن تتقدمها..؟ لا أعرف بماذا كانت تفكر بالضبط. كل احتمال كان ينفتح على نتيجة ما.. وعلى تفكر كثير.. وعلى تردد مقلق.
قطعنا الشارع، وبعد قليل قطعت الشارع. جلستُ معه على مقاعد الطرام، وبعد قليل عَبَرَتْ لكنها اتخذت طريقاً آخر.. وصعدت عبر شارع الكفاح إلى شارع النور، أو الحي الجامعي، أو إقامة الطالبات... لا أعرف.
مرة أخرى، مرة بعد مرة، أجدها في المقهى. كان مكانها المفضل هو الأريكة القرمزية أمامي. أرسل عيني فترفع عينها، كذلك لثوان ثم تسدل عينها. كلما رفعت بصرها تجد عيناي مثبتتان على عينها، وكلما رفعت بصري أجدها كذلك. انحنت على صديقتها وفهمتُ أنها أخبرتها بالقصة، فانتقلت العدوى إلى صديقتها. التي كانت تنظر إلينا. لم أعد أعرف ما أفعله. كان المكان غير مناسب للحديث معها. وفي الخارج أتردد. كان صديقي يخرج ليدخن كل نصف ساعة تقريباً. في ذلك الوقت أضع أوراقي على جنب وأتأملها. ينعكس وجهها على الزجاج مثل البلّور. شعرها حريري دافئ، وجهها دافئ دائري حنون، عيناها عاشقان يقبلان بعضهما، أنفها عنيد، فمها حبّتي كرز حمراء. ضحكتها بيت شتوي. نظرتها.. نداء أنثوي خجول، انتظار أن يتزحزح الكرسي، وجودها شمعة مضيئة، أم في بيت، غيابها، انطفاء شمعة، وموتُ أم.
عاد صديقي. صعدتُ إلى الحمام تنهدت ثلاث مرات. نظرتُ إلى المرآة نظرة لا أعرف أي نظرة هي. اشتعلت في قلبي نار عذرية. أحسستُ كما لو أن كل شعر العرب العذريين ذاب وانصهر في روحي الشفيفة. فهاذي نظري كما لو أني أرى امرأة لأول مرة، وهذا قلبي كما لو أنه فُطر، وهاذي يدي مرتعشة، وهذا الليل يغريني بالسهر.. وهاذي الرباط ترميني في صحراء التيه.
عدتُ إليه. قبل أن أجلس نظرت إليها فوجدتها تنظر إلي. جلستُ وأخرجتُ مجموعة قصصية لأحمد بوزفور وقرأتُ على صديقي قصة الرجل الذي وجد ليمونة. في ذلك الوقت كانتا معا تتطلّعان إلينا. أتممتُ القراءة. فقرأ علي بيتاً من الشعر لشاعر قديم يقول فيه:
قرب الحبيب وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمول
هذا التردد مرّ. حين توقعنا المصيبة في حفرها يحاول الشعر والموسيقى أن يقدّما المساعدة، لكنهما يضاعفان المأساة. يمدان حبلا واهياً يتمزق قبل أن ننجو فنسقط في القاع من جديد. الشعر والموسيقى سكاكين لا تبقرَ جسد المتألم، تكتفي بإحداث ثقوب برأس مديتها. وصلت العاشرة حملت متاعها وذهبت مع صديقتها متجهتين نحو البحر.. نحو البحر.
مرة أخرى، وجدتها في مكانها المفضل، مرة أخرى أجلس قبالتها. أطللتُ النظر فأطالت النظر. انشغل كل منا بأشغاله الصغيرة، لا أعرف كيف كانت هي، ولكني كنت مشتتاً، وعيناي تهربان إلى وجهها دون تحكم، دون وعي، بدأ القرار يتجمع داخلي، يتخلى عن طفولته، ويتشبع برجولة المبادرة. التردد مر. لم أكن متردداً. كنتُ أحس كما لو أن بيني وبينها حائط. جدار. جليد. طريق شوكي.. أسلاك مكهربة. حقل ألغام. كيف اخترقُ جدار الصمت الذي أبتلعه بغصة أن تلقي نظرة أخيرة على شمعة تنطفئ لتغرقني في ظلامها البهيم. عندما تكون امامي أشعر كما لو أن الشمعة لا تزال مشتعلة، وبمجرد أن تلملم أغراضها وتذهب تسقط تلك الشمعة فجأة وتنقضي. تتبعتها بعيني وهي تغادر. أردتُ أن ألوح لها فلم أقدر. أردتُ أن أناديها فخرستُ. أردتُ أن ألاحقها وأوقفها فخجلتُ. أردتُ أن أبكي.. فضحكتُ. كل الطرق سدت أمامي. لذتُ بالصمت حتى تجمع التراب في حلقي.
ذهبت مع صديقتها إلى البحر. كانت أمامي سددت ثمن القهوة مسرعاً ولمحتها من زجاج النافذة تبتعد ولكنها لا تغيب عن عيني، فكرتُ في كل الاحتمالات، في كل الجمل الممكنة التي سأقولها لها.. ما أجمل مفاتحة فتاة في موضوع عاطفي أمام البحر.. خرجت من المقهى فلم أعد أراها. مددتُ عنقي فبدا لي كل الناس متشابهين.. من هي بينهم؟ في الوقت الذي كنت سألاحقها.. كان آدم يرغب بشراء السجائر، عاد بعد خمس دقائق. لا أعرف لماذا لم ألحق بها في ذلك الوقت.. نفس السؤال الذي طرحه غسان كنفاني: لماذا لم يطرقوا أبواب الخزان؟ أنا أيضا لا أعرف لماذا بقيت واقفاً مسماراً في مكاني بينما هي تبتعد. بعد فوات الألوان، لحقتُ بها. كان صوت الليل أزرق، وكان البحر يتنهد. وكانت السماء رمادية. كان قلبي يخفق. وكانت خطاي يائسة. يائسة لأني أعرف أنها ضاعت في اتجاهين لا أعرف أيهما سلكته؟ هل انعطفت نحو اليمين أم نحو اليسار.. عندما جاء آدم، قال لي إلى أين؟ اخترتُ أن نذهب جهة اليسار. قطعنا الشارع حتى آخره فلم أجد وجهها في أي وجه.
حملتُ في صدري ثقلا أعجوبياً تلك الليلة، ريحُ البحر يلجُ صدري فأخرجه زفرات حرى. تبرعمت داخلي بذرة الكتابة.. لم يكن بيدي سوى أن أكتبَ عنها أو إليها. الكتابةُ وحدها يمكن أن تُعوّض خسارتي.. لن تستطيعَ أن تعوض، إنّها تُخفّف حسرتي وأسفي لا غير. فكلّما مشيتُ إلا وهجمت عليّ الأسئلة الملحّة التي تُقلِقُ سكينتي.. لماذا لم أتحدث إليها؟ الأمر بسيط. وربما كانت تنتظر أن أبادر بخطوة.. لكني لم أفعل. كأنّ وجهها الصافي، البديع الجمال يلبس كلّ الأشياء: أنظر للسماء فأرى سواد عينيها اللؤلؤيتين يتدفّق من نجم عال. أنظر للبحر فيتنهّد كما لو أنه يلومني.. يجلدني بأقصى ما يمكن. أنظر إلى الطريق، إلى المصابيح المشتعلة، أتذكر وجهها، نظراتنا، كلّ ذلك.. فيظلم قلبي وتضيع خطواتي. صديقي يقرأ لي شعراً وأنا أتأمّل كلّ وجه يعبر أمامي لعلّ ملامحها الملائكية تُسكِنه. ينظر إليّ ليتأكّد من أنّي أتابع قراءته. فأعودُ لأسمعه قبل أن يخطفني وجهها كما لو أنّ موجة تجرفني لأغرق في ظلماتها.. أهرب منها فأجد نفسي في قرارتها.. وكلما هربتُ وجدتُ أنّ قوتي لا تكفي.. لا يمكنُ أن تكفي.. من ذا يهرب من قدره؟ حباً، أو موتاً، أو حياة؟ هل يملكُ النهر تغييراً لمجراه؟
طالَ اليوم كأنه غير منته. الانتظارُ قيدُ يخترقُ الجلدَ. أبتلعُ تلك الغصّة باكتظاظ شعوري يخنقُ حلقي المترع بالشكوى. فعلتُ كلّ ما يمكنُ فعله كي أتفادى ذلك الشعور السيء.. أنِّي أضعتها في زحمة الحياة. أنِّ الحياة وحشٌ انتزع مني قطعة من قلبي، من لحمي.. أمسك بالكتاب، أجلسُ أمام الحاسوب، أتناولُ فطوري المتأخر، أتكئ. بلا فائدة. كما لو أنّ الشوكَ في حلقي والجمر في قلبي مشتعلٌ. فقدتُ معنى الأشياء. لا أعرفُ. لم أستطع الاستمتاع بشيء قط. فقط وجهها أراه أمامي في كلّ ما أراه. فقط عيناها تتطلعان إلي بحذر شديد. فقط ذلك الوجه الملائكي، ذلك الوجه الحنون، اللذيذ.. فأشعر بالجنون يستبدّ بي من قدمي إلى رأسي.
عزمتُ على أن أذهبَ للمقهى في المساء لعلني ألتقيها. هذه المرة سينتهي كلّ شيء. سأخبرها بالحقيقة. دون خوف. دون أيّ حواجز. سأهدم الحائط الذي بيني وبينها. ووسط كلّ ذلك الركام سأخرج لها قلباً نقيّاً أقول لها به: تفضلي.. ها قلبي قد نجا من الدمار. كنتُ متوتراً لدرجة أنّي أسابق الزمن.. أسرعُ كما لو أنَّ وحشاً يلاحقني. كنتُ سعيداً .. سعيداً لدرجة الحزن. ففي قلب ذلك الأمل الشمسي اللون الذي كان يملأ روحي بالفرح، نبتَ سرطانٌ أسودُ خبيثٌ يقولُ لي هي لن تأتي. انتهى أمرك. لن تجدَها. ربما عادت إلى أهلها. إلى مدينتها. ربما قررت أن ترتاح من ضجيج المقهى. ربما تعبت من نظراتك الحائرة من ترددك الغبي فقررت أن تغير المقهى. ربما سبقك إليها رجل آخر. ربما تزوجت. وربما ماتت. آلاف الطرق يمكنُ أن تبعدها عنك. آلاف الاحتمالات تستطيعُ أن تشرحَ قلبك نصفين؛ لا شيء فقط لأنّ الحياة هكذا. فقط لأنّ الوردة إذا لم تنقلها إلى أصيص قلبك يدهمها الخريف فتذبلُ وتتساقط. كان يمكنُ أن أتحدث بغض النظر عن العواقب.. ما الذي سيحدث.. سترفض. ستهرب، ستصرخ، ستنادي الشرطة مثلاً؟ وليكن.. ماذا بعد؟ كل تلك العواقب لا تساوي شيئاً أمام هذا الألم. ألم الندم. ألم الخسارة. ألم أن تتسرب الحياة من جسدك المثقوب برصاصة الحسرة..
مرّ مساءٌ تلو المساء..
بقي مكانها شاغراً مسكوناً بروحها سارية في غيابها الأبدي. كبرَ اليأس داخلي وترعرع بسرعة كشجرة صفصافة. تضاءل الأمل الذي كان يحثني على مطاردة خيوط دخانها وهي تتبدد في ضباب السماء. ماتت داخلي قصيدة وقرأتُ على قبرها ثلاث قصائد درويشية. وفي الليل شربتُ جرعةً في "كازابلانكا" والقليل من النبيذ الأحمر. لكن ذلك لم يشفني منها.. كازابلانكا المرة حررت صوتها داخلي. في البداية أشتهيتُ أن أتحدث عنها بأي شيء. ثم داهمت حنجرتي الدموع، فعرفتُ أن النبيذ تمكّن مني. كنت ساعتها جالساً، وكان وليد يقف قبالتي وهو يدخن سيجارة تلو الأخرى بشراهة. قلتُ له لم أعثر على البنت. فتأسّف. سكتَّ بضع ثوان قبل أن أقول له إنّ ضياعها كسرني. كان صوته غارقاً في سكره وهو يقول لي: ششت.. قف شامخا. لا يزال صوته وهو ينطق جملته يتردد في مسامعي كرجع الصدى. أتذكره في كل انكسار. قلتُ له:
قرأتُ على قبرها قصيدة انتظرها.
ابتسم. بدأ صوتي يضيع. انتظرها.. بكوب الشراب المرصّع باللازورد.. بصبر الحصان المعدّ لمنحدرات الجبال.. لا تجفل الطير فوق جدائلها...
هل تعرف أنّ قصة هذه القصيدة مشابهة لقصتك. كان محمود درويش مدعوّاً عند أحد أصدقائه.. حفل.. فأعجب محمود درويش بفتاة من الحضور. لم يجرؤ على الحديث معها.. لأنه ضيف.. وو.. المهم أقام محمود حفلا في بيته واتصل بصديقه ليطلب منه الحضور برفقة جميع من حضروا تلك الليلة. لكن العجيب أن الجميع حضر إلا هي. حاول من جديد.. ومن جديد...
قلت له: هل التقى بها. في تلك اللحظة كنت أشعر بصداع في مؤخر رأسي.
التقى بها وتزوجها لكنهما تطالقا بعد عامين.
لم تتحمّله غالبا.
ذلك ما حدث. الشعراء وكلّ من يمارس الكتابة أو الفن أزواج سيئون.
نعم. أشعر بذلك. أشعر أني سأكون زوجاً سيئاً. أتعرف؟ أهتم بالمرأة حتى أعتقد أني تجاوزت حدود الاهتمام ثمّ تقول لي أنت لا تهتم. أنت قاسٍ.. أنا قاسٍ؟ ماذا تنتظرين مني؟
المرأة تريدك كلّ الوقت..
ما علينا .. ذهبت.
عليك أن تشكّلها في خيالك. أن تخلقها من جديد.. إذا لم يكتب لك أن تعيش مع امرأة من لحم ودم.. عش مع كائن من ورق. ستهبك آلاف النصوص.
كنت أُريد أن أقول له إنّ الشعور بالخسارة حارق ومر. في ذلك الوقت أخرج السيجارة الثانية من العلبة الثانية. أشعلها فتوهجت مثل الشمس لحظة الغروب. قال لي: هذا الألم يشبه أن تمسك بسيجارة مشتعلة وتدعكها في ظهر يدك. ثمّ ساد بيننا الصمت. صمت للسيجارة وصمت للفتاة.
التفتُ إلى آدم وجدته ما يزال يشرب نبيذه الأحمر، تحدّثنا عن السياسة والأحزاب. قلت له إنّي عدمي ولن يتغيّر شيء. تحدثنا عن الثورة الروسية وعن أحمد الشرع وبشار. وعن أمريكا وعن الشعوب الفقيرة، وعن الحب، وعن الحياة، وعن ذكريات الطفولة. ثمّ ذهبنا لنتعشّى. وبعد العشاء ذهبتُ للبيت.
مرّت ثلاثة أسابيع. لم أعد أتوقّع مجيئها. وميضك أشعّ داخلي ولن يتكرّر، وإن تكرّر فلن يكون بمثل توهجك يا صافية العينين، أودّعك. أودع نظرتك وأودع ابتسامتك. أودع ما قيل بيننا دون كلام. أضعك في صندوق مدينة كبيرة وأحملك على متن شاحنة مجهولة العنوان والمصير. فقدتُ شغفي تجاه الأشياء. أزعجتني الحياة برتابتها وعُهرها. كرهت نهارات المدينة القائظة الحارقة. ألتقي بالأصدقاء كل يوم ونسخر من الحياة. لم تعد لدي طاقة أخذها على محمل الجد. أحتاج فقط لِحبّ جديد، وهم جديد، فترة راحة في جزيرة بعيدة، الكثير من المال.. وسأعود إليكم.

التعليقات