حطاب الظلال
بلال الخوخي
لا أحد يطل من شرفات ذاكرتي، وكأني ما عرفت أحدا منذ وجودي الأول على هذه الأرض؛ حتى أمي، يبرز ظلها فأنتشي بظهور مرتقب، فلا تفضي الثواني العابرة إلا إلى ظل مسحوب نحو الداخل. ظل آخر يتردد عند شرفة ثانية، ضخامته ترجح كفة أبي، لكن الذاكرة، الذاكرة المتعفنة نفسها، تملي عليّ احتمالين آخرين: زوجها وأخي. احتشدت الظلال ذات ليلة ماطرة عند بوابة الشرفة، وفي الشرفة كانت أمي، وكان الدم ينزف، وكنت أنا مطلا برأسي مستنشقا النسمة الأولى، حيث امتزج المطر والدم والعرق.
في شرفة أمي تتصارع الظلال، ولا واحد منها يبالي بالظل الصغير الملقى على الأرض. يسقط ظل أمي بجوار الصغير، فتدير وجهها العصي على التشكل نحوه، عسى محياه يسكن عينيها في رحلة الأبد، أو عساه يتملى وجهها وينقشه على ذاكرة ما نبتت بعد، ذاكرة ستنمو صحبة رأس مطأطأٍ لا يترك للنظر سوى لملمة الظلال؛ فصارت الظلال تنخر كل الوجوه والأجساد النافذة من ثغور الوعي واللاوعي. وسكن ظلُّ أمي الشرفةَ الكبيرة التي جرني إليها أخي من أذني وأنا بعد لم أبلغ العاشرة، فدفعني إليها وقال مزمجرا: "هنا وُلدتَ منبوذا يا خطأ أمك، فكفاك أخطاء أخرى وإلا انتهيتَ هنا مثلها"، وتركني أبكي في الشرفة فكُبكب وجهه في جحيم ذاكرتي ليتفحم ظلا سادرا بين شرفاتها بجفاء، وكلما تجسد لي رافعا سكينه جفلتُ، وبحثت عن سكين، وخططت ذراعي.
لقد تجاوزتُ الآن تخطيط ذراعي، وتعلمت الرسم على الوجوه، وأصبحت مبعوث الآخرة على الأرض، لكني مع ذلك إنسان صالح؛ علّمت نفسي أن لا أبطش إلا بالسفلة، وقد كانت تماريني التطبيقية الأولى على أخي وأبي، ثم انتهجت التريث والتقصي بعد ذلك.
يا لتلك اللحظة التي دخلت فيها على أبي! كان ظله الثقيل جالسا على الكرسي خلف منضدة دكانه. لا أتذكر الوجه الذي استقبلني به، فقد سكنه الظل، لكن الظل لم يتغش الكلمات، لذلك فهي تظل مسجلة على شريط المشهد، إذ قال لي: "مرحبا بابن الملعونة". يسمي أمي "الملعونة"، وينسى أنه من لعنها عندما هب ملبيا نداء الشهوة، فما كان مني إلا أن أذيقه وبال اللعنة المشتهاة؛ فطعنته، وأسقطته أرضا مثلما سقطت أمي، ثم لففت ثوبا وجعلته كطفل مقمط، ووضعته أمام عينيه. بعدها، أحالته نارُ الذاكرة ظلا ينط بين الشرفات.
"أَطعن، أُسقط أرضا، وأضع قماطا مصطنعا"، هذا توقيعي المهدى إلى أمي كلما حطبت ظلا جديدا.
هل أنا بطل قومي؟ أو، بطل خارق؟ لا أعتبر نفسي بطلا، إنما أقوم بما تقتضيه الضرورة الوجودية، قد أكون الخير والشر في الوقت ذاته، ولا يهمني الفرق بينهما، لأن السكينة المحصودة من كل عملية حطب هي ربحي الأكبر. لقد أنقذت نساء كثيرات من بطش رجال جبارين، ولكنني كذلك، أتيت نساء كثيرات اقتادتني إليهن الرغبة الجامحة. هذا أنا، تارة أكون أبي، وتارة أكون عدوه، وهذا كل ما في الأمر، لكنني طبعا، لا أبطش إلا بالسفلة.
نشروا في الجرائد أن أوان القبض على القاتل المتسلسل قد حان، وأن قطع الأحجية قد اكتملت والقوى تحركت لمحاصرته. جلست أنتظرهم، يوما، يومين؛ فلم يأتوا. لم أفطن إلا وأنا أستدرجك إلى هنا كي تشرح لي ما حدث، وتوضح لي ما جمعتم من خيوط حتى ضللتم طريقي، والتي في المقابل الحتمي قادتكم إلى شخص غيري. أردت أن أعرف من احتل مكاني، لكن بمجرد أن نطقتَ لقبه، ضحكتُ ملء فاهي، قبضتم على المسكين وهو لا يزال في مرحلة الرسم على الوجوه، ثم ماذا؟ أمسكتموه بما هو ليس أهلا له، ومنحتموه شرفا دمويا سيتبجح به في السجن. اذهب، اذهب أيها الظل البئيس وارأف بالرجل، وإياك أن تعود إلى هذا المكان بحثا عني، اجتهد أكثر كي تلقاني. وداعا.
في الشرفة ظل وحيد، يدخل ويخرج، يكوّم قطعة ثوب بين يديه فيُصيّرها طفلا مقمطا يهدهده ويغني له: "نانّي يا مامّو، حْتّى يْطيب بوخانّو، بوخانو ما طابشي، ومامو ما نعاسشي...". يطمئن إلى نوم الذي بين يديه، لا يريده أن يرى ما سيحدث في قادم الثواني، لا يريد لذاكرته أن تكدس ظلالا بلا ملامح. يطل برأسه إلى أسفل؛ يغريه الفراغ المعلق بين الشرفة والأسفل، لكنه يقاوم رغبة القفز برغبة أكبر منها؛ أن يتمثل لحظة سقوط أمه بجواره، أن يستنسخ نهايتها ويسقط بجانب الكومة المقمطة.

التعليقات