يقتحم القاص ميمون
حرش في قصة -انفصام-، تخوم الوعي المعطوب، ويسائل الذات في هشاشتها وتوتراتها
الداخلية، عبر بناء سردي مشبع بالإيحاء، وبصور تنهض على ثنائية الداخل والخارج،
الظاهر والخفي، الحسي والوهمي، في توليفة تُخفي تحت بساطها نُثارًا من العوالم
النفسية والوجودية المتداخلة…
منذ العتبة الأولى، يتجلى الانشطار:
-يتباهى ‘س’ بعبارة ‘أيها الليليون’ التي أطلقها محمد شكري في ‘خبزه’، ويقسم لرفاقه بأنه هو المقصود بها دون غيره، لكنه، اليوم، يرتعد فرقًا كلما وقب غاسقه…-
في هذا التصدّع
الأول، يُرينا الكاتب ذاتًا معلقة بين تمجيد الذات والمباهاة، وبين فزع داخلي من
الليل، أي من اللاوعي، من الغرق في العتمة، من عودة الذاكرة أو انكشافها... إن
عبارة -اليوم- تقيم مسافة بين زمنين: زمن القوة التي ادعاها، وزمن الارتعاد الذي
يعيشه الآن… ولعل هذا التوازي بين التباهي والارتعاد ليس مجرد مفارقة ظرفية، بل
مفتاح لفهم الانفصام الذي يحكم بنية القصة كلها، إذ تنهض على تعارض دائم بين وعي
زائف وداخلٍ مضطرب…
حين يقول السارد:
-يبيت
الليل على جفونه، ويأتيه الصوت في خضمه من اللاشيء..-
فهو يُدخلنا إلى
مجاز الليل باعتباره الكيان الغامر، ذاك الذي لا يُختزل في العتمة الفيزيائية، بل
يتسع ليشمل كل ما هو مرعب، مبهم، متكاثر من الداخل، متوعد من حيث لا يُنتظر...
والصوت القادم -من اللاشيء- هو في حد ذاته تجسيد لانفجار الداخل، ذلك أن اللاشيء
لا يتكلم إلا إذا صار شيئًا، أي أن الصمت الداخلي قد تمادى حتى تفجّر…
الصوت نفسه لا يحمل فقط نبرة تهديد، بل هو أشبه باستدعاء للحساب الداخلي:
-ترقّب
مصيرك، لن نتأخر كثيرًا-
هذه الجملة الوجيزة تكشف بُعدًا وجوديًا لا يخطئه القارئ، فـ-المصير- هنا ليس قدرًا مفروضًا من الخارج، بل انعكاس لما راكمته الذات في خلواتها، في إسرافها على نفسها، في انكفائها نحو الوسادة التي لم تعد وسيلة للنوم، بل معادلًا رمزيًا للجسد والحنين والاشتهاء والعار…
يتحوّل حضور
الوسادة تدريجيًا إلى نواة رمزية تهيمن على السرد... ليست وسادة للنوم، بل جسد
بديل، رفيقة عزلة، موضوع رغبة، وكائن تُفرَغ فيه التراكمات المكبوتة. يقول السارد:
-مرات
عديدة يشكل منها عروسًا يراقصها، ويكلمها، وله فيها مآرب أخرى.-
هنا تتبدّى الوسادة كتعويض وجودي عن الآخر الغائب: الزوجة الهاربة، الأنثى التي لم تعد، والذات التي لم تعد قادرة على تماسك حضورها في الخارج…ما يفعله البطل هو إعادة اختراع عالمٍ خاص، يمزج الرغبة بالتخيل، الجنس بالذاكرة، الطفولة بالحيوان، حين نقرأ:
-غريمه
لا يتقن مثله كيف يداري وسادته… إنما من تجربته مع عنزات جده في القرية.-
العبارة تعيدنا إلى جذر غريزي حيواني، حيث لا فاصل بين التخييل الجنسي وبين الحيوان، في تدنٍ رمزي يعكس انهيار الحدود بين الثقافة والغريزة… البطل يتحدث عن فن -مراودة الوسادة- وكأنها تقنية وجودية، بديلة عن العلاقات الإنسانية… في هذا الاستيهام الجنسي، الذي يتخذ شكل الرقص:
-من
يحب عليه أن يكون راقصًا-
-يتحرك
ككومة لحم دون عظم…-
يتحول الجسد ذاته إلى نكتة وجودية، هلامي، فاقد للتماسك، مثل كيان متحلل لا يحكمه مركز… الرقص هنا ليس فرحًا ولا احتفالًا، بل تمثيلٌ لانهيار الإيقاع الداخلي للذات… وهو رقص هستيري، انفصامي، أشبه بعرض فردي على خشبة وعي منهار، أمام خصم متخيل (الغريم) لا وجود له سوى داخل الذهن المأزوم…
الأكثر دلالة هو
أن البطل يصنع لنفسه وسائد بأشكال متعددة، بعضها معلّق كلوحات زيتية، في إشارة إلى
تقديس الذكرى والوهم، وبعضها يحمل اسماً خاصًا: “غزالة”، التي يُخزن فيها خصلات
شعر عشيقاته، مضافًا إليه شعره هو، في طقس تذكاري أشبه بطقوس التحنيط، حيث يتحول
الجسد إلى مستودع بقايا…
غير أن لحظة الانفجار تأتي حين “تمتلئ” غزالته، وتنفجر الروائح الكريهة والدود:
-اندلقت
من ترهل… ثم امتلأت غرفته بالديدان-
التحول من الحنين
إلى القرف، من العاطفة إلى التفسخ، هو لحظة كاشفة: فالوهم حين يُراكم فوق الوهم،
ينفجر عفنًا. الديدان هنا ليست حشرات، بل مآل رمزي للذات: إنها -خطيئة الحنين- حين
لا تجد مخرجًا وجوديًا لها… امتلأت الغرفة بالديدان، كأن كل الكبت، الرغبة، الفقد،
الندم، الانشطار النفسي، قد تجسد فجأة في شكل حي، يزحف، يتكاثر، ويفرض حضوره على
العالم الخارجي، مهددًا تماسكه:
-في
الخارج كان الناس مذهولين، يشيرون إلى شقته، أصبح يغطيها الدود-
في هذا المشهد، لا تعود -شقة س- مجرد مكان داخلي، بل استعارة لوضع الإنسان حين تنهار داخلياته أمام صدمة الوعي الجماعي… الذات المنعزلة، التي كانت تختبئ خلف وسائدها، تتحول إلى فضيحة، إلى تهديد عام، إلى كارثة لا يمكن السيطرة عليها إلا عبر إعلان -حالة الطوارئ-... هنا، لا يعود الغريم متخيلًا، بل يصبح الغريم هو العالم كله، والذي يتصدّى له الأمن، لا من أجل -معالجته-، بل للقبض عليه -حيًا أو ميتًا-…
في المشهد
الختامي، يُساق البطل إلى المصحة، مُجرّدًا من كل رموزه السابقة، أهمها الوسادة،
التي لم تكن مجرد أداة للنوم، بل تجسيدًا لانزلاق الذات نحو التخييل المَرَضي،
وإعادة إنتاج الحميميّ والمكبوت في هيئة مادية… صوت الزوجة الهاربة يأتي، لا
لتواسيه أو تتفهم حالته، بل لتؤكّد على ما يشبه -الحكم- على الوسادة:
-أريد
له غرفة بسرير دون وسادة، رجاء..-
هنا تتحوّل
الوسادة من رفيقة عزلة إلى رمز دمار، كما لو أن منعها هو عقوبة وقائية، أو شكل من
أشكال -التطهير-، بما يجعل الحكاية تنقلب من مشهد ذاتي إلى دراما جماعية... ومن
اللافت أن هذا الطلب صادر عن الزوجة ذاتها، التي هربت سابقًا، لكنها تعود لا
لتسترجع العلاقة، بل لتضع آخر مسمار في نعش التخييل…
الراوي يصف حال البطل في المصحة بلغة دقيقة تستبطن زوال الهوية:
-مثل
جثة مسجاة، جاحظ العينين، ممتقع اللون، تغيّر شكله، كبر في لحظات، وهنت حواسه عدا
سمعه، كان قويًا…-
إنه ليس حيًّا
بالمعنى الكامل، ولا ميتًا كذلك، بل في منطقة رمادية بين العالمين، كأن الجسد قد
لفظ كل طاقته، واحتفظ فقط بحاسة واحدة: السمع… وهنا تتجلى مأساوية الوجود في أصفى
تجلياتها: لا يزال ينتظر الصوت… لقد صار الصوت لعنةً وإدمانًا في الآن ذاته… إنه
صوت داخلي، من صنع الذات، لكنه اكتسب مع الوقت سلطة خارجية… والذات في هذا السياق،
تظل تترقّب تهديدًا تعرف أنه قادم منها، لكنها لم تعد قادرة على وقفه…
في هذه اللحظة التي تتوقّف فيها كل الحواس ما عدا السمع، تعود الذات إلى حالة من التماهي مع العدم…لكنّ المفارقة الفلسفية الكبرى تتجلى في الجملة الأخيرة:
-منتصب
القامة، يقف وسط غرفته، فارع الطول، يشمر عن ساعده، ثم راح يجوب أجنحة المشفى
بحثًا عن وسادة-
إنها عودة التكرار
الأبدي... الانكسار الذي بدأ بالوسادة، يعود إليها... الذات التي فقدت كل شيء،
عادت إلى نقطة الصفر، لا لتتعلم أو تتحول، بل لتعيد الدائرة… إنها لحظة سخرية
قاتلة، لأن الإنسان هنا لا يتجاوز مأزقه، بل يستأنفه، كمن أدمن عذابه...
هذه الخاتمة تضعنا
أمام سؤال فلسفي شديد القسوة:
هل الخلاص ممكن؟ أم
أن الذات المنقسمة، حين تفقد مركزها، لا تملك سوى الدوران في فراغ التكرار؟
هل -الوسادة- حلم
بالخلاص؟ أم لعنة لا فكاك منها؟
هل الذات المريضة
تعرف أنها مريضة؟ أم أن جزءًا منها يخلق المرض ليبرّر وجوده في هذا العالم؟
في النهاية، يبدو
أن قصة -انفصام- لا تتحدث عن الجنون باعتباره خروجًا عن العقل، بل باعتباره شكلاً
من أشكال -الوعي الحادّ بالعدم-... هذا البطل ليس مجنونًا بالمفهوم البسيط، بل هو
ذات فشلت في الصمود داخل واقع لا يعترف بالهشاشة… ولأنها لم تجد مكانًا حقيقيًا
لها، خلقت وسائد، ورقصات، وعشيقات من القماش، لتمنح لنفسها معنى... وحين فاض هذا
العالم الرمزي، لم يحتمله الخارج، فحاصر الذات، عزلها، وانتزع منها حلمها الوحيد:
الوسادة…
ولعل هذا التمركز
المرضي حول الوسادة لا يمكن فهمه في عمقه إلا عبر استحضار المقاربة النفسية،
خصوصًا من زاوية التحليل النفسي كما طوّره فرويد ومن تبعه من المنظّرين... فمن هذا
المنظور، يُعدّ الانفصام تعبيرًا عن انهيار آليات الدفاع، وانفجار التوترات
الكامنة بين مكونات النفس الثلاث: الهو، والأنا، والأنا الأعلى… في قصة -انفصام-،
يتجلى هذا التنازع بوضوح: يظهر الهو في الوسادة، بوصفها رمزًا للرغبة المكبوتة،
بينما يبرز الأنا الأعلى في صوت التوبيخ الداخلي، أما الأنا، فتبدو عاجزة وممزقة
بين غواية الرغبة وسطوة الذنب، إلى أن تتآكل تمامًا... كما يمكن تلمّس أثر تصور
-لاكان- للانفصام كتمزق في البنية الرمزية للغة، حيث يفقد الرمز معناه، وتنهار
العلاقة مع -الآخر-، فيتأسس عالم بديل تحكمه الأوهام والأنساق الذاتية المغلقة…
البطل لم يَعُد يتفاعل مع الواقع، بل انغلق على منظومته الرمزية الخاصة، تقودها
الوسائد والأصوات وطقوس الهذيان… وبهذا، لا تبدو القصة مجرد محاكاة لحالة مرضية،
بل بناء فكري يستبطن رؤية فرويدية عميقة للاشعور، حيث تتشظى الذات لا بفعل صدمات
الخارج، بل لعجزها عن تفجير ما يعتمل في أعماقها…
لقد قدّم القاص
ميمون حرش في -انفصام- تجربة سردية لافتة، تنمّ عن حسّ عميق ببنية النفس البشرية
حين تنكفئ على ذاتها وتدخل متاهات العزلة والانشطار... ببراعة سردية، وإشارات رمزية
مشغولة بدقة، استطاع أن يشكّل من وسادةٍ بسيطة عالماً كاملاً تنهار فيه الحدود بين
الخيال والهذيان، بين الغريزة والحنين، بين الرغبة والهلوسة... فالنص، رغم قِصره،
كثيف، محمّل بالتموجات النفسية والدلالات الوجودية، وكأن الكاتب يكتب بمنقار
الغراب على جدران الليل، تاركًا أثراً لا يُمحى في الذاكرة القرائية... إنها قصة
قصيرة لا تُقرأ من أجل الحكاية فحسب، بل من أجل ما تُثيره من أسئلة، وتفتحه من
نوافذ على هشاشة الإنسان حين يُترك وحيداً في مواجهة ذاته… تجربة موفقة تُضاف إلى
رصيد القاص ميمون حرش، وتؤكد قدرته على الغوص في الأعماق دون أن يفقد توازنه
الجمالي أو يُضحّي بسلاسة السرد…
