في لحظات صمتنا النادرة وخلال تأملنا العميق في ذواتنا، يحدث أن يباغتنا سؤال مقلق ولا مناص من لذعاته: من أين أتت الأفكار التي تسكن تلافيف دماغنا؟ هل هي من صنع أيدينا واجتهاد منا، أم أننا مجرد وعاء مهترئ تصب فيه الأزمان والأمكنة ما شاءت من رواسب ومخلفات؟ هذا وهلم جرا من الأسئلة التي ترمي الى مسلك واحد مفاده حرية أفكارنا أسئلة عصية يهتز لها كيان الإنسان في الصميم، فماذا لو كانت أفكارنا ليست ملك لنا حقا، واذا كانت كذلك فما الذي يتبقى من حريتنا التي نتغنى بها ونرقص على ايقاعاتها؟
كشف لنا عالم النفس السويسري ومؤسس علم النفس التحليلي كارل غوستاف يونغ قبل عشرات السنين عن حقيقة مرعبة حين تحدث عن اللاوعي الجمعي، المستودع الهائل من الرموز والنماذج الأولية التي ورثناها عن أسلافنا منذ فجر البشرية، وهي بمثابة ميراث نفسي يسكن أعماقنا دون أن نشعر، كالأشباح التي تسكن بيتا أخلوه سكانه، نرتدي قناعا يخفي جزءا من نفسنا الجماعية ويعطي في الوقت ذاته وهما بالفردية قناعا يدفع الاخرين ويدفعنا نحن الى الاعتقاد بأننا كائنات فردية في حين أننا في العمق نلعب ببساطة دورا تعبر معطيات وضرورات النفس الجماعية عن نفسها من خلاله (كارل غوستاف يونغ- جدلية الأنا واللاوعي- ص62)
ففي اللحظة التي نظن فيها أننا نفكر بحرية، تهمس هذه النماذج القديمة في آذاننا، تشكل مخاوفنا ورغباتنا، وتجعلنا نخاف من الظلام ونحن لم نولد أو نعش قط في الكهوف، تجعلنا ننجذب للأبطال والأساطير والآلهة وإن لم نعرف السبب الحارق وراء ذلك، فهل نحن إذن مجرد أصداء لأصوات قديمة، صدى يردد ما قيل منذ آلاف السنين؟
دعنا الان نهبط من سماء يونغ الأسطورية ونحط الرحال على أرض فرويد القاتمة، لنجد أن الأمر أشد تعقيدا، فالأفكار عند عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد ليست حرة البتة، فهي بالنسبة له محكومة بصراع خفي بين الهو والأنا والأنا الأعلى، أي بين الرغبات المكبوتة والأوامر الاجتماعية، اذن فنحن نظن أننا نختار ما نفكر فيه، ولكننا في الحقيقة نعيش في ساحة معركة دامية لا نبصرها، فالرغبات المحرمة تصارع القيم الموروثة، والكبت يولد الأفكار كما تولد الأرض المظلمة الفطريات، أليس مزعجا أن نعلم أن كثيرا مما نفكر فيه هو مجرد تنفيس لرغبات مقموعة و محاولة يائسة لإرضاء صوت أعلى لا يكف عن توجيه اللوم والتأنيب؟
من جهة أخرى فإن فرويد يرى أن إنسان ما قبل التاريخ ما يزال بصفة ما معاصرا لنا إذ يعيش اليوم أناس قريبين جدا من البدائيين ونرى فيهم الخلف المباشرين والممثلين للبشر السابقين من خلال التماثيل الجامدة والأدوات التي خلفها هذا الأخير وعبر الاحتفاظ بفنونه ودياناته ونظرته الى الحياة وهذا ما يظهر عبر رواسب تفكيره في عاداتنا وتقاليدنا نحن(سيغموند فرويد- الطوطم والتابو-ص22 )
أتظن أن الأمر انتهى؟ قطعا لا فهنالك بعد آخر لهذه المأساة، فأفكارنا نابعة من شعورنا بالنقص كذلك، ومن رغبتنا الدفينة في التفوق والتعويض عن ضعف شعرنا به في طفولتنا، مثلا حين كنت طفلا حدث أن شعرت بالضعف أمام البالغين من محيطك وهذا ما قادك بطريقة أو بأخرى مستقبلا الى محاولة اثبات القوة، وبالتالي فما أفكارك إلا أدوات في هذه المعركة الأزلية، تفكر في الانتصار وذلك لتعويض ما فقدته، وملء الفراغ الذي حفرته الطفولة في نفسك، وهذا أيضا يفضي بنا الى نفس السؤال، أين حرية الفكر في كل هذا؟
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد أيضا ، فنحن ان صح القول أسرى ماضينا النفسي، بل أسرى الحاضر أيضا، أسرى المجتمع واللغة والثقافة، فاللغة التي نفكر بها هي الأخرى ليست من اختيارنا، وانما فرضت علينا منذ كنا صغارا، ومع اللغة فرضت علينا طريقة معينة في تصنيف العالم وفهمه، فنحن كعرب لما نفكر بالعربية نفكر بطريقة تختلف كل الاختلاف عن الإنجليزي الذي يفكر بلغته، لأن اللغة هي القالب الذي يشكل الفكر، والثقافة التي نشأنا فيها وترعرعنا بين دفافها زودتنا بمنظومة من القيم والمعتقدات نظن أننا اخترناها، لكنها في الحقيقة اختارتنا، فالمسلم يفكر بطريقة تختلف عن المسيحي واليهودي والمعتنقين لباقي الديانات وهم أيضا كذلك، والشرقي يرى العالم بعيون تختلف عن عيون الغربي، وكل منا يظن أن طريقته في الرؤية هي الطريقة الطبيعية الوحيدة، في غفلة عن اعتبارها مجرد نتاج للمصادفة التاريخية والجغرافية.
وإذا تأملنا أعمق، وجدنا أن حتى ما نظنه تمردا على المجتمع هو في الحقيقة نتاج للمجتمع نفسه، الثائر يثور بأدوات أعطاها إياه ويسرها له المجتمع، والمفكر الحر- في نظره- يفكر ضمن إطار حددته له الثقافة مسبقا، فحتى رفضنا للأفكار السائدة هو ضرب من ضروب التفاعل معها، وليس خروجا عنها حقا، إننا كالسجين الذي يظن أنه حر لكونه يتحرك داخل زنزانته.
والآن، بعد كل هذا التشريح المؤلم، نعود إلى السؤال الأول: هل أفكارنا حرة؟ الجواب المرعب هو أننا لسنا أحرارا كما نظن، لكننا لسنا عبيدا بالمعنى المطلق للكلمة أيضا، نحن نعيش في منطقة رمادية محيرة وشائكة، منطقة تتشابك فيها الحرية والاسترقاق بطريقة يستحيل تفكيكها، أفكارنا خليط من الوراثة والبيئة والثقافة والتاريخ، لكن دعني أقول لك أن هذا الوعي نفسه بهذه القيود هو بداية التحرر، فلما ندرك أننا مقيدون، هذا على الأقل يجعلنا نبدأ في محاولة إيجاد طريقة لتفكيك القيود وتحطيم الأغلال، والتخلص من ثقلها ولو جزئيا، فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تفضي الى الحرية، قدر محدود بالتأكيد، لكنه أفضل من العبودية التامة الجاهلة بنفسها. وربما يكمن جمال الوضع البشري في هذا التوتر الأبدي بين الأسر والحرية، في أننا لسنا أحرارا تماما ولسنا مستعبدين تماما، ربما هذا ما يليق بنا نحن كبشر، فلو كانت أفكارنا مستعبدة كليا لصرنا كالحيوانات التي تسخر كل جهدها في خدمة سيدها، ولو كانت أفكارنا حرة تماما لفسدنا وذهبنا بأفنسنا إلى الهاوية، ولعل الحكمة تكمن في وجود أفكارنا في المنتصف.
في الختام، وجب الادراك والتفهم أننا في عالم معقد، الأفكار فيه ملكية مشتركة بين الفرد والتاريخ والمجتمع...، ولعل أصدق ما يمكن قوله هو أننا شركاء في إنتاج أفكارنا، لسنا منتجيها الوحيدين لكننا لسنا غائبين قطعا عن عملية الإنتاج، والوعي بهذه الشراكة وبهذا التداخل المعقد، هو أول خطوة نحو أن نكون أكثر من مجرد أصداء لما سبق، وأن نكون أصواتا لها نبرتها الخاصة، وإن كان صداها أحيانا ألحانا قديمة وباهتة.
✍️ محمد أمين لقرع، كاتب مغربي
