ثقة متكسرة | يوسف الفرساوي

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

 

مجلة هارموني الحروف

كقطعة من جسدي لا يمكنني التفكير بإلحاق ضرر بهم، أكن لهم كل التقدير والاحترام ومكانتهم القلبية لا يمكن التفاوض عليها... بحكم الجوار صرت على علم بكل تفاصيل حياتهم اليومية، وهم... أظن كذلك.

كان الاحترام سيد الموقف... سنوات ونحن هكذا، كنت معجبا بابنهم الصغير الذي بالكاد يحاول استجماع ما توفر لديه من حروف لصياغة بعض الكلمات، كان في الثالثة أو الرابعة من عمره، أمر مرات عديدة بجواره أحيانا أدردش معه وكثيرا لا أنتبه له لانشغالي بشيء معين، هو الآخر كان يقصدني بلهفة كبيرة كلما رآني، ذات مرة رمقني جالسا أمام بابي وابتسم، لحظتها كان ابني يناديني من الداخل ودخلت، فور عودتي لم أجده في مكانه.. عاد أدراجه، ظللت ألوم نفسي لعدم انتظاري وصوله، وخفت أن يكون تصرفي فُهِم تجاهلا.

لطالما كنت الحارس الشخصي لبيتهم في حضورهم وغيابهم من أي مكروه قد يصيبهم، وعرضت نفسي للخطر من أجلهم، دافعت بما أوتيت على ابنهم الصغير، ولم أتبجح يوما بذلك، كل ذلك لاعتقادي أنهم حراس بيتي في الفصول الباردة التي أركن فيها إلى حجرتي تنفيذا لغيابي الاضطراري، ويشهد الرب أنني أتوق لرؤيتهم كما أتوق لعناق الحياة من جديد.

في ذلك اليوم خرجت للتسكع قليلا مررت أمام منزلهم وأخذت قسطا من الراحة بجانب جرة  طينية، ورغم علمي بحرمة المنزل ومحيطه ولكن توالي الأيام جعلني أعتقد أن الحواجز اختفت بيننا، لذلك تجدهم يجلسون أمام بيتي وينظفونه،  وأنا الآخر لطالما تسكعت ليلا وأحيانا نهارا في حديقتهم المعجب بها.

استيقظت متأخرا على صوت ابني بالتبني الذي يصرخ من ألم الجوع، أنا الجوع ينخر أشلائي أكثر منه، ولكن جوعه لا يمكنني تحمله، ولا يمكنني رفض طلباته، كلما نظرت إليه تذكرت سيناريو مقتل أسرته في هجوم إرهابي من طرف أحد الرعاة بدون شفقة أو رحمة...

لم أعرف تفاصيل الحادث ولم أعرف الظالم من المظلوم، ولكن كان الأجدر به ترك الأم لصغارها، أو قتل الأم وترك صغارها، لا يمكن تصور كمية الكره الذي كان يكنها لهم حتى يقتلهم برمتهم وبطرق مؤلمة، ضربهم في كل مكان، وقطع أجسادهم، عندما مررت صدفة بجوارهم ورأيت أجسادهم متناثرة هنا وهناك غارقة في دمائها، يتوسط تلك الأجساد هذا الابن الذي تبنيته... إلى اليوم أسأله عن تفاصيل الحادث لا يتذكر أو لا يريد فتح تلك الصفحة من طفولته يكتفي بالصمت.

لملمت شتاتي وجهزت نفسي مغادرا، أشعر بشيء ما ليس كالمعتاد، جسمي يرتعد، ظننت أنها نزلة برد بانتظاري، أخبرت ابني بذلك وابتسم... لم يبال بما أخبرته به، كانت اللامبالاة عنوانه اتجاه كل شيء حتى معي، ضيق في القلب وثقل في الكاهل وضغظ على الذاكرة، مشاعر استدعت الخوف فكبل أطرافي، أو الخوف من سراب شيء معين هو الذي أجج تلك المشاعر... حقيقة الأمر... لا أعلم.

 تجاهلت ما ألم بي وغادرت ركني لقضاء بعض أغراضي قبيل تخطي عتبة الجحر رفعت كفي أدعو الله للعودة سالما غانما، هكذا أنا لم تكن يوما لي أمنيات ولكن لي أهداف أسعى إلى تحقيقها.

وأنا أهم بالخروج تردد صوته في أذني:

_ إذا كنت مريضا وأطرافك تؤلمك، لم لا تحاول اصطياد فريسة من جيراننا الإنس وتعود.

استغربت كلامه، لم أستوعب جرأته وانعدام أخلاقه، ولقنته درسا في احترام الجيران وعدم خيانة الثقة، وختمت درسي ب:

_ تخيل أن هؤلاء لسنوات يعتبروننا منهم، واليوم بكل أريحية ووقاحة سنختار ضحية منهم لا لشيء سوى أنهم وضعوا ثقتهم فينا.

ابتسم بدون توقف وأنا أتحدث ولأول مرة يفعل ذلك، لم أستوعب، ولم يكن لي الوقت الكافي للاستفسار عن سبب نظراته المليئة بالإعجاب، إعجاب واضح شكلا ولكن لا أعرف مضمونه ولاعمق مشاعره، وقد تكون "لا مبالاة" غلفها بتلك النظرات الميتة.

تقدمت بضع خطوات أمام جحري كان الجو هادئا، أشعة الشمس حارقة تغري بالتجول، رفعت رأسي أنظر بإعجاب للجبال التي تظهر بعيدة المنال كأنها تحمل على ظهرها الشمس، تمنيت زيارتها ولم لا الاستقرار بها، تذكرت برودة الجو بها فعدلت عن الاستمرار في التفكير في الأمر فأنا لا أستطيع العيش إلا في هذا المكان.

رأيت "غظيف" رب أسرتهم يستعد هو الآخر للخروج من بيته، دققت النظر كان ابنه خلفه، فرحت لهذه الصدفة فكرت في العودة أدراجي فلم نلتقي سابقا مع بعض، ولكن اشتياق التعرف عليه دفعني للتوجه نحوه، سمعت صوتا يحذرهما مني من داخل منزلهم، لم أفهم المقصود التفتوا إلي بخوف وحذر، تسمرت في مكاني لم أستطع العودة إلى جحري ولا التقدم، ألغيت خاصية السمع لدي... لم أفهم لماذا كل هذا الخوف؟.

لمحت الغصن يجري باتجاه أمه مذعورا، والأب يمد يده لمذراة بالقرب من قش بجواره، فهمت لحظتها أنها محاولة لاغتيالي، هممت بالهروب إلى جحري... فات الأوان، أحسست بضربة انهمرت على رأسي، ضبابية تخيم على الوضع، حاولت الإسراع كانت أطرافي تؤلمني، ضربة في جسدي وأخرى في الأرض، لم أكن قادرا على المقاومة، في الوقت الذي كان علي النجاة بنفسي كنت منشغلا بالبحث عن سبب فعلتهم، حينها تذكرت العدوان على أسرة ابني بالتبني وفهمت: "بقائي على قيد الحياة طوال هذه السنوات لم يكن بسبب صداقتي بجيراني ولكن فقط لأن اللقاء الموعود لم يحدث".

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates