تشكل السيرة
الذاتية مجالاً خصبًا لتجلّي الذات الكاتبة عبر مسارات فكرية وشخصية تُعيد بناء
الهوية من خلال فعل الكتابة ذاته. وإذ تختلف أشكال السيرة بين البوح الشخصي،
والتوثيق التاريخي، والتأمل الذاتي، فإن النوع الذي يزاوج بين التجربة الفردية
والتشكّل الفكري يظل من أكثرها تركيبًا وثراءً من حيث البنية والدلالة. ضمن هذا
الإطار، تندرج السيرة الفكرية تحملني حيرتي وظنوني للمفكر المغربي سعيد
بنكراد، بوصفها نصًا يستبطن مشروعًا مزدوجًا: أولًا، تأريخ لتجربة ذاتية ضمن سياق
ثقافي وفكري متحول؛ وثانيًا، تأمل سيميائي في تشكّل الذات المعرفية عبر اللغة
والتجربة والذاكرة.
يندرج هذا
المقال ضمن دراسات السيرة ذات الطابع الفكري، ويسعى إلى تحليل الكيفية التي تتجلى
بها الذات الكاتبة داخل خطاب السيرة لدى بنكراد، من خلال مساءلة العلاقة بين
التكوين الشخصي والبناء المعرفي، وبين المعيش اليومي والتجربة التأويلية. ويستند
التحليل إلى المنهج السيميائي بوصفه أداة لفهم آليات تشكّل المعنى وهندسة الذات
داخل النص، مع الانفتاح على المقاربات النصية التي تولي أهمية للبُعد الذاتي
والأنساق الثقافية.
يتوزع المقال
إلى محاور ثلاث: يُعنى الأول بتحديد موقع هذه السيرة داخل مشروع بنكراد الفكري
العام؛ أما الثاني، فيحلل تمظهرات الذات في النص وعلاقتها بمفهوم
"التكوين"؛ بينما يُعنى المحور الأخير بتفكيك أبعاد الخطاب السردي
والفكري في النص، لفهم طبيعة العلاقة التي يقيمها الكاتب مع ذاته ومع قرّائه على
حد سواء.
يشكل كتاب تحملني حيرتي وظنوني امتدادًا نوعيًا لمشروع سعيد بنكراد الفكري
الذي تأسس في الأصل على مقاربة سيميائية للخطاب، خصوصًا في تمظهراته الثقافية
والإيديولوجية. فمنذ مؤلفه المرجعي سيميائيات الأيديولوجيا (1991) مرورا بـوهج المعاني:
سيميائيات الأنساق الثقافية (2013)، ظل بنكراد وفيًّا لتقليد تأويلي
ينظر إلى العلامة بوصفها حاملًا للمعنى داخل نظام ثقافي محدد. إلا أن هذا الكتاب
يقدّم لنا وجها آخر من وجوهه: وجه المفكر الذي يعيد مساءلة ذاته، من خارجها و من داخلها، عبر إعادة تركيب الذاكرة الشخصية
ومساءلة التجربة.
في هذا السياق، تأتي هذه السيرة، كفعل معرفي يؤسّس لوعي ذاتي نقدي. إذ يسعى
بنكراد، عبر نصه، إلى قراءة ذاته كما قرأ نصوص الآخرين من قبل، معتمدًا آليات
تحليلية تتقاطع فيها السردية مع السيميائية، والتاريخ الشخصي مع أنساق الفكر ...ومن هذا المنطلق، يصبح النص السيري لحظة تقاطع بين الذاتي
والمعرفي، بين التجربة واللغة، وهو ما يجعل من هذا العمل مساهمة أصيلة
في أدبيات السيرة الفكرية التي تسعى إلى تقويض الفواصل المصطنعة بين الذات
والموضوع، وبين حياة المفكر ومنتوجه الفكري. يقول بنكراد في هذا السياق : " لقد أهملت الكثير من تفاصيل
حياتي، فذاك جزء من حميمتي لا يخص أحدًا غيري"، وهو تصريح يؤكد الطابع الانتقائي الواعي الذي يحكم
البناء السردي لهذا النص، حيث يتم تجنّب "الكلّي" لصالح
"الضروري"، وتمييز "الحميمي" عن "المفكر فيه" .وهكذا، يُمكن اعتبار "تحملني حيرتي وظنوني"
بمثابة وثيقة ذاتية ـ فكرية، تعكس محاولة لفهم الذات بوصفها مشروعًا متحولًا،
يتقاطع فيه الشخصي مع التاريخي، والمعيشي مع الرمزي.
يحضر مفهوم "التكوين" في سيرة سعيد بنكراد كمرحلة زمنية أولا
و كبنية دلالية ثانيا حاملة لمعاني التشكّل والتحوّل.
فـ"الذات الكاتبة" تتمظهر ككائن
في طور التشكّل المستمر، تخضع للزمن والتجربة والانكسارات المعرفية، كما تستجيب
لمؤثرات السياق الثقافي والسياسي الذي نشأت فيه.يركز بنكراد على مراحل
تكوينه الأولى في قرية العثامنة ، ليبين كيف تشكّلت رؤيته للعالم في فضاء بسيط
وهامشي، بعيد عن مراكز القرار الثقافي والسياسي. غير أن هذا "الهامش"،
كما يتضح من سردياته، لم يكن معطًى سلبيًا و إنما مثّل مجالًا للتأمل والاحتكاك الحاد بالواقع.
لقد تأسست الذات على هذا التوتر بين الإقصاء والانتماء، بين الرغبة في الصعود نحو
"مركز رمزي" وبين الوعي العميق بتناقضات الواقع. ومن هنا، تتبدى أولى
ملامح تشكل الهوية الفكرية عند الكاتب، حيث صار الوعي النقدي جزءًا من آليات
مقاومة التهميش.
إن التكوين، بهذا المعنى، يتجاوز التحصيل المعرفي أو المسار الأكاديمي، ليصبح
عملية انخراط في الأسئلة العميقة للوجود: من أنا؟ ما دوري؟ كيف أكتب ذاتي في هذا
العالم؟ وتبرز هذه الأسئلة في تضاعيف النص، كمواقف سردية تتردد بين الاعتراف،
والنقد، والبحث عن المعنى. كما خصّص الكاتب حيزًا لتحولات الوعي السياسي
والوجداني، حيث يرصد كيف صاغت اللحظات التاريخية الكبرى ــ كصعود الحركات اليسارية
وتراجعها، أو احتدام الصراع بين التقليد والحداثة ــ جزءًا من بنيته الفكرية
والنفسية. هذا ما يجعل السيرة وثيقة ذات طابع مزدوج: ذاتي- اجتماعي، شخصي- ثقافي،
حيث يتقاطع "السيرة" مع "الشهادة"، ويصبح النص من جهة تأملًا
فرديًا، ومن جهة أخرى مرآة لتحوّلات مجتمع بأكمله.وهكذا، فإن مفهوم
التكوين في هذا النص، يتحوّل إلى أفق فلسفي وسيميائي يفسّر الذات من خلال
تعقيداتها، وتوتراتها، وأسئلتها الوجودية كما يتخذ الخطاب السردي في تحملني
حيرتي وظنوني شكلًا هجينًا تتداخل فيه تقنيات القصّ مع منطق التحليل والتأمل
الفكري. فالنص تجاوز قضية الخضوع لمنطق التسلسل الكرونولوجي التقليدي، إلى اتباع
بنية فسيفسائية تتقدّم عبر "شظايا الذاكرة"، واستدعاءات متقطعة
للزمن الماضي، يُعيد من خلالها الكاتب تشكيل ذاته بوصفها موضوعًا للكتابة، و فاعلًا
لها .تتراوح نبرة السرد بين التوثيق الدقيق لبعض المراحل (مثل
الطفولة أو بداية الانخراط الفكري) وبين التأملات الفلسفية التي تتسم أحيانًا
بالغموض المقصود والانسياب الذهني. وبهذا المعنى، فإن النص يموضع نفسه خارج
التصنيفات الصارمة للأنواع الأدبية، فهو ليس سيرةً تقليدية، ولا مرافعة فكرية..
يمكن القول إنه ممارسة سردية تسعى إلى تفكيك الذات وإعادة تركيبها بلغة الوعي
النقدي.
يمارس بنكراد في نصه ما يمكن تسميته بـ"الكتابة عبر المسافة"، حيث
يكتب عن ذاته من موقع القارئ، لا الفاعل؛ يعلّق على ماضيه دون انغماس عاطفي مفرط، و
بنَفَس تحليلي يجرد التجربة من غلافها اللحظي، ليعيد تأويلها ضمن منطق أشمل. وهذا
ما يتقاطع مع اشتغاله الطويل في حقل السيميائيات، الذي جعله يُخضع حتى ذاته لنظام
العلامات، والمساءلة التأويلية.اللغة، من جهتها، تلعب
دورًا جوهريًا في هذا البناء المعرفي – السردي؛ إذ تتسم بالاتزان، وكأنها تحاكي
وظيفة المرآة التي تعكس لتبين و توضح كذلك. كما تتجنّب الذات الكاتبة الوقوع في
غواية الاعترافات أو التبريرات، حيث تظل المسافة النقدية محفوظة، والذات محل
مساءلة.ولعل أهم ما يميز هذا النص، في النهاية، هو قدرته على تحقيق
توازن بين السرد الشخصي والتحليل الفكري، بين البوح الداخلي والموقف الثقافي،
في بناء معمار سردي يستند إلى الذاكرة دون أن يُستعبد لها، ويستفيد من أدوات
السيميائيات دون أن يغرق في تقنياتها، مما يمنح القارئ تجربة قرائية ثرية، تتطلب
التأمل و التفاعل.
على سبيل الختام، يمثل نص تحملني
حيرتي وظنوني لسعيد بنكراد مساهمة نوعية في جنس السيرة الفكرية، حيث
تتقاطع الذات مع الخطاب، والتجربة مع التأويل، في أفق معرفي يعيد للكتابة عن الذات
بعدها التفكيكي والبنائي في آن. يسرد الحياة، ويقرأها، يُركّبها، ويعلّق عليها، وهو ما يجعل من هذا العمل نموذجًا
لتجربة فكرية عربية معاصرة، تحاور تراث السيرة وتعيد تشكيله على نحو يتناسب مع
أسئلة اللحظة الثقافية.
