يُعدّ أبو
العلاء المعري من أكثر شعراء العربية تعقيدا وإثارة للإشكال، إذ تتداخل في تجربته
الشعرية أبعاد جمالية وفكرية وأخلاقية تجعل من مقاربته فعلا نقديا محفوفا بالحذر
والتأويل. فشعريته لا تنحصر في الإبداع الفني، ولا تختزل في نزعة زهدية أو تشاؤمية
بل تنفتح على أفق معرفي مركب تتقاطع فيه سلطة العقل، وقلق الوجود، وحدود اللغة،
وإشكالات الموروث الديني والثقافي. ومن ثَمَّ ظل المعري موضوعا لقراءات متباينة
تراوحت بين التمجيد بوصفه قمة عقلية وجمالية، والتوجس منه باعتباره شاعرا شكوكيا
تجاوز السائد العقدي في عصره. كما تتبدى شعرية المعري بوصفها إحدى اللحظات الفارقة
في مسار الشعر العربي التي تتجاور فيها الصرامة العقلية مع الحساسية الجمالية،
ويتحول فيها القول الشعري إلى حقل للتأمل الوجودي. بَيْدَ أنه لم يكن شاعرا يكتفي
بمحاكاة الواقع أو استنساخ صوره بل كان يجر الكون إلى سؤال، واللغة إلى اختبار،
والإنسان إلى مواجهة ذاته. ومن هنا جاء شعره مُحمَّلا بقلق الفيلسوف، وصرامة
اللغوي، وبنزعة الشاعر الذي يرى العالم من وراء ستار من الشك والحرية والوعي
الأخلاقي... كما ينطلق من قاعدة معرفية واسعة فهو قارئ للتراث ملم بالفلسفة
والكلام وأصول اللغة، وهو ما جعل القصيدة عنده فِعلا فكريا قبل أن تكون مجرد
انفعال. والإنسان في عالمه كائن مأزوم محكوم بالمصادفة يحمل ثِقْلَ وجوده، ويبحث
عن معنى لا يبوح به إلا لمن يمتلك شجاعة السؤال. ولهذا تتكاثف في شعره ثَيْمَاتُ
الموت والزهد والعدالة والشر ومسؤولية الإنسان الأخلاقية، وكأن القصيدة تتحول إلى
مِرآةٍ للعقل القَلِق الذي لا يطمئن إلى اليقين.
وقد شكّلت "اللزوميات" أو
"لزوم مالا يلزم" منعطفا لغويا بالغ الدلالة، حيث اختبر المعري طاقة
العربية عبر نظام من القيود الصارمة التي تَكشِف عن ثقة الشاعر في أدواته وعن رغبة
واعية في إعادة تشكيل التجربة الشعرية. كما أن ديوانه السالف الذكر إلى جانب
"الفصول و الغايات" لم يسلما من سهام النقد اللاذع حدَّ درجة التكفير،
وهذا ما ذهب إليه ابن الجوزي. ونستعرض في هذا السياق قوله:" وقد رأيت لأبي
العلاء المعرى كتابا سماه الفصول والغايات في معارضة السور والآيات، على حروف
المعجم في آخر كلماته وهو في غاية الركاكة والبرودة، فسبحان من أعمى بصره وبصيرته.
قال: وقد نظرت في كتابه المسمى لزوم ما لا يلزم، ثم أورد ابن الجوزي من أشعاره
الدالة على استهتاره بدين الإسلام أشياء كثيرة فمن ذلك قوله:
إذا كان لا يحظى برزقك عاقل … وترزق
مجنونا وترزق أحمقا
فلا ذنب يا رب السماء على امرئ … رأى
منك ما لا يشتهي فتزندقا
وقوله:
ألا إن البرية في ضلال … وقد نظر
اللبيب لما اعتراها
تقدم صاحب التوراة موسى … وأوقع في
الخسار من افتراها" ¹
كما نورد ما نصّه صاحب البداية و
النهاية في موضع آخر "وقد زعم بعضهم أنه أقلع عن هذا كله وتاب منه، وأنه قال
قصيدة يعتذر فيها من ذلك كله، ويتنصل منه، وهي القصيدة التي يقول فيها:
يا من يرى مد البعوض جناحها … في ظلمة
الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرها … والملخ في
تلك العظام النحل
امنن علي بتوبة تمحو بها … ما كان منى
في الزمان الأوّل " ²
كما عقد ابن الجوزي مبحثا مطولا في
كتابه الموسوم " المنتظم " نقل فيه جملة من الأخبار، و الأقوال التي
أراد بها الكشف عن معتقد أبي العلاء من ذلك قوله" وقد حُكِيَ لنا عن أبي
زكريا – يقصد به الخطيب التبريزي وهو تلميذ المعري- أنه قَالَ: قَالَ لي المعري:
ما الذي تعتقد؟ فقلت في نفسي: اليوم أعرف اعتقاده. فقلت: ما أنا إلا شاك. فقال:
هكذا شيخك. وكان ظاهر أمره يدل أنه يميل إلى مذهب البراهمة، فإنهم لا يرون ذبح
الحيوان، ويجحدون الرسل وقد رماه جماعة من أهل العلم [٣] بالزندقة والإلحاد، وذلك
أمره ظاهر في كلامه وأشعاره، وأنه يرد على الرسل ويعيب الشرائع، ويجحد
البعث.." ³
ولدفع الشبهة عن المعري يورد كيليطو
تصور ابن الجوزي عن المعري فيقول " لوضع هذا الخبر في سياقه، لابد من التذكير
بأن ابن الجوزي يكره المعري أشد الكراهية، وفضلا عن ذلك، يتعين علينا أن نحترس
لأنه أضاف الخبر إلى سند مجهول : ( وقد حكي لنا ) ؛ وبما أن قبول الخبر رهين بمن
يورده وبدرجة صدقه، فإن الأمر هنا ملتبس غامض، معلق بين التصديق والإنكار، بين
اليقين والشك.." ⁴
كما برر كيليطو قول الخطيب التبريزي
بِباعِثِ صعوبة فهم منجز المعري باعتبار الدلالة القابلة لعدة تأويلات، وذلك بدليل
قوله " قد يبدو غريبا أن يلجأ التبريزي إلى المراوغة من أجل الكشف عن حقيقة
أستاذه، وهو الذي يعرف مؤلفاته . ألم يكن بإمكانه الاهتداء من خلالها إلى اعتقاده
؟ لكنه لم يفلح، على ما يبدو، في ذلك، ربما لأن كتابات المعري معقدة وقابلة لعدة تأويلات.."⁵
من جانب آخر تُظهر شعرية أبي العلاء
المعرّي عند إخضاعها لمساءلة نقدية موضوعية عددا من الإشكالات التي لا يمكن
تجاهلها في سياق تقييم مشروعه الفكري والجمالي. فآراؤه تميل في كثير من نصوصه إلى
الطابع التشكيكي بدليل قول أدونيس " إن النص المعري لقاء بين لفظ نملكه و
معنى نبحث عنه، لكنه بحث يؤدي دائما إلى الحيرة و الشك " ⁶، كما يتخذ من
العقل مرجعا أعلى غير معترف بسلطة النقل إلا بقدر ما يوافق معاييره العقلية
الصارمة، وهذا التوتر بين العقل والنقل يجعل مذهبه أقرب إلى النزعة الشكوكية منه
إلى الموقف العقدي المنضبط. ويوازي ذلك نزعة تشاؤمية حادة تشكل خلفية فلسفية
لشعره، وهو ما جعله يُقصي إمكانات الأمل، والفاعلية، والجدوى، التي تُعد ركنا
أساسيا في الرؤية الإسلامية للكون والإنسان. ويزداد أثر هذا التشاؤم عمقا حين
يقترن بنزعته العقلانية المتطرفة التي تحتفي بالتحليل المنطقي على حساب الثقة
بالمُعطى الديني والتجربة الروحية، فالمعري يقيم حُجّته على استقلال العقل المطلق
حتى لو قاده ذلك إلى نتائج تستبعد الوحي أو تُضعف من حضوره، وهو ما يفسّر كثيرا من
مواقفه التي وُصفت بأنها خروج عن مقررات الشريعة. وبهذا تتبدى شعرية المعري في
جانبها الفكري بوصفها مشروعا جريئا ومثيرا للتمحيص يتقدم بالعقل والشكوكية إلى
تُخُومٍ تتجاوز ما تقبله المنظومة العقدية التي عاش في سياقها فتفتح المجال لنقاش
نقدي واسع حول حدود الإبداع الفكري ومجالاته المسموح بها ضمن الثقافة الإسلامية
الكلاسيكية.
وبناء على الاستقصاء يمكن القول إن
شعرية المعري بما تحمله من مفارقات تمثل لحظة متقدمة في تاريخ التفكير الأدبي
تُغري بالنقد بقدر ما تُلهم بالتحليل. فهي تجربة تضيء مساحات واسعة من الإبداع
العربي، لكنها في الوقت ذاته تفرض على الدارس أن يحدد بصرامة منهجية ما هو مندرج
في سياق الإبداع، وما هو متعارض مع مقررات الشريعة الإسلامية، ومن خلال هذا
المنطلق فإن القيمة الحقيقية للمعري لا تكمن في كونه نموذجا عقديا يمكن الاحتذاء
به، بل في كونه ظاهرة فكرية تتطلب دائما إعادة القراءة، وإعادة التقييم، وإعادة
وضعها في موقعها الطبيعي بين الإلهام الشعري وحدود الانضباط العقدي.
من جانب آخر يظهر أن الخلاف حول المعري
لم يكن خلافا جماليا صِرفا، ولا سجالا عقديا محضا بل كان في عمقه، وجوهره صراعا
بين أفقين معرفيين مختلفين: أفق تراثي مشدود إلى منطق الضبط العقدي وحراسة المعنى،
وأفق حديث ينظر إلى النص بوصفه مجالا مفتوحا للتأويل و التعدد، ففي السياق التراثي
المنظومة معيارية صارمة تقاس فيها الأقوال بميزان العقيدة، ويُنظر إلى الشعر بوصفه
خطابا ذا أثر مباشر في الإيمان والسلوك. ومن ثم لم يكن غريبا أن تُقرأ نصوص شيخ
المعرّة قراءة اشتباه وحذر كما نجد عند ابن الجوزي، حيث جرى التركيز على ما بدا
خروجا عن المألوف العقدي، وتضخيم البعد الشكوكي بوصفه انحرافا لا مجرد اجتهاد
فكري. وقد أدى هذا الأفق القرائي إلى اختزال شعرية المعري في بعدها الإيديولوجي،
وإهمال كثير من تعقيداتها الجمالية واللغوية والفكرية. وفي المقابل، أعادت
القراءات الحداثية النظر في المعري من زاوية مغايرة، فجرى تأويل شكه بوصفه فضيلة
معرفية، وعُدَّ قلقه الوجودي علامة وعي متقدم لا علامة انحراف، و أسهم هذا التحول
في إبراز البعد الفلسفي والتأملي في شعره، والنظر إلى نصه باعتباره مشروعا مفتوحا
على الأسئلة لا مغلقا على الأجوبة. غير أن هذا التلقي على أهميته لم يسلم بدوره من
المبالغة إذ مال أحيانا إلى إسقاط تصورات معاصرة على نص تراثي، وإعادة إنتاج
المعري بوصفه رمزا حداثيا سابقا لأوانه بما يتجاوز سياقه التاريخي والثقافي.
ومن ثم فإن الإشكال لا يَكمُن في أي من
القراءتين أصدق بقدر ما يَكمُن في حدود كل منهما. فالقراءة التراثية أسرفت في
تضييق أفق النص بينما اندفعت القراءة الحداثية أحيانا إلى توسيعه بلا ضوابط. وبين
هذا وذاك تُلِحُّ الحاجة إلى قراءة نقدية تقوم على مبدأ الوسطية، و تراعي خصوصية
السياق الثقافي الذي تَشَكَّلَ فيه خطاب المعري دون أن تغفل طبيعته الإشكالية
وتعدده الدلالي، و تُنصِتُ إلى النص في توتره لا في تطويعه، وعدم اعتباره مادة
للإدانة و ذريعة للتقديس.
مسرد المصادر و
المراجع :
¹ص74 - كتاب البداية والنهاية ط السعادة - ابن كثير
²ص75 - كتاب البداية والنهاية ط السعادة - ابن كثير
³ص23
- كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي- تحقيق: محمد عبد القادر عطا،
مصطفى عبد القادر عطا - دار الكتب العلمية، بيروت.
⁴ص30- كتاب أبو العلاء المعري أو متاهات
القول - عبد الفتاح كيليطو - دار توبقال للنشر.
⁵ص31-كتاب أبو العلاء المعري أو متاهات
القول-عبد الفتاح كيليطو - دار توبقال للنشر.
⁶ص 75- كتاب الشعرية العربية - أدونيس -
دار الآداب - شركة النشر و التوزيع المدارس.
