ما الذي بعد الأسوار؟ | ياسين القيمة

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

 

مجلة هارموني الحروف

في طريقهم إلى المدرسة، توقف الصبيّان في جمود آسر صوبَ وجهه الشاحب البئيس..

بادره أحدهما بالسؤال: من أين مقدمك أيها العم؟

فلم يشأ ذكر مكوثه الطويل في السجن فقال مستلطفا: أنا أقوم برحلة استكشافية لم ألبث في مكان واحد منذ أمد طويل

-تبدو متعبا أتحتاج مساعدة لبلوغ بيتك؟

فقال بغمغمة واضحة: منزلي؟ لا لا بارك الله فيكما، انطلقا راشدين..

 لم يسأله أحد عن بيته منذ زمن طويل، ودنت من ذكرياته مشاهد التحقيق والضرب والتعذيب التي لا تزال آثارها ملازمة له إلى الساعة، سواء كانت آثارا نفسية غير ظاهرة للعلن أو مادية جسدية.. فصاح في ذعر كما المستيقظ من كابوس يغطه..

تعبَ صاحبنا من محاولات تناسيه لماضيه.. تعب من كل شيء.. فسلم مُستلقيا على الطوار..

شهد الصبيان هذا المشهد البئيس، هما رقيقان لا يعرفان من الدنيا سوى ابتساماتها، عز عليهما حال هذا التائه الطريد: ألك أولاد يا عمي ؟

أه.. كانت طفلتي لتكون مثلكما في نفس السن ونفس اللطف والبراءة.. آه كم من ثمرة كنت سأقطف من وجنتيها الجميلتين، كم كنت سأكون قويا بحضورها في حياتي.. لولا..

خالج الصبيان شيء من الذعر والاستهجان والشفقة، فسارعا بالدعاء معه وهمَّا معا بالرحيل، ففاجأهما بالسؤال:

كيف بلاؤكما في الدراسة ؟ وهل لكما أحلام يا ولداي؟

استبق أحدهما الكلام بنزق: نحن ندرس لنصير علماء ونصنع ما نشاء ونخترع أشياء مدهشة للغاية..

فقال باستظراف: موفقين.. موفقين..

 فأردف الصبي الثاني: هنالك صورة طائرة ضخمة في حائط الصف أحلم بأن يصير لي مثلها يوما ما..

وبشيء من السخرية: طائرة؟ وفي نفسه: لو علما أنْ لن يكون لهما غير قدميهما في هذا الوطن العربي -إذا ما لم يفقداهما أيضا- لحمدا الله وكانا من الشاكرين..

 ورفع الرجل رأسه ناظرا للسماء بجد، رأى أم ابنته التي قتلت وهي في شهرها الأخير من الحمل.. كيف انهالت جثة هامدة في ساحة الموت العنيف حيث الهراوات تتطاير والرصاصات الطائشة الغادرة.. والتفت الرجل فإذا به وحيدا في ظلام مأساته، لم يطق تقبيل المدية لعنقه، يدُه المرتجفة تأبى هلاكه.. فسار مهرولا ضاغطا على مديته بأصابعه الثخينة وفارت في دمائه نيران نَثَرَتْ رَمَادَ سابقاتها، وسعى لإيقاف ارتجالِ همساتِ الذاكرة، بلا أي أثر يدل عليه وعلى مراراته الأليمة..

والتحق الصبيان في ذهول بصفهما واصطفا مع زملائهم في صف أمام قاعة الدرس كما المعتاد يرددون النشيد الوطني وصوبَ أعينهم خيال مدير المدرسة خلف باب الصف مع همساته الممتزجة بتنهيدات أستاذتهم الظريفة.

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates