تجلسُ فاطمة اللّامبالية على شرفتِها
تحتسي القهوة في هذا الجوّ الكانونيّ، تتلاعبُ النّسماتُ الباردة بشعرها الأسودِ
الخشن. صارحتها ذات يوم أنّها تبدو لي كشخصيّاتٍ فوضويّةٍ في قصصِ كاتبٍ أعرفه
وأنّ عليها أن ترافقني إلى صالون ميرنا حيث تدورُ طقوسٌ تبعث النّساء إلى الحياة
من جديد، لكنّها تمنّعت.
**
المعطف زيتيٌّ وطوله يتجاوز ركبتيّ،
قد يبدو أنّني أحتاجه في هذا الوقت من التّاريخ لأنّ الشّعورَ بانعدامِ الدّفءَ
على ما يبدو يتسبّب بانهيارٍ البنى التّحتيّة لمنظومة من الموروثات تفضحُها دموعٌ
تنهمرُ للدّاخلِ، لأنّ مَن يريدوننا أقوياءُ على الدّوامِ منتشرون كالنّار في
الهشيم على سطح الكوكب ويرزخ البشر تحت قوانينهم.
**
الأزقة في سوق مدينتي القديمة ضيّقة
ومكتظّة. النّاس يسيرون بركبٍ جامد ذي خطًى متناغمة في بطئها. قدماي تهرولان أوّلا
ثمّ تخضعان لموت القافلة. أكادُ أتعثّر. شيءٌ ما في داخلي يهوي، يسقط، زجاجٌ
يتحطّم تخمشُ حدّته أوردتي وشراييني. يحملني على التّماسك بائعٌ لطيف يقف أمام
الفترينا الزّجاجيّة وينادي لبيع المعاطف. يبتسم لي. يشير إلى بضاعة جديدة وصلت
للتوّ من الخارج، محرّرة من الضّرائب الجمركيّة، لا تُباع حسب سعر صرف الدّولار،
وهي على مقاسي تمامًا.
**
عصفورٌ بنيّ اللّون يجازف بالطّيران
وحيدًا على أبواب العاصفة بعد أن هاجرَ سربه إلى البلادِ الدّافئة.
**
أركلُ حصاةً بقدمي اليمنى بينما تمرّ
من أمامي سارة، الطّفلة في الأول الابتدائي، تسير نحو المدرسة هذا الصّباح وعلى
ظهرها حقيبة ميكروسكوبيّة كبيتِ سلحفاة، النّعاس يلعق أجفانها.
يا تُرى ماذا قرأت فاطمة اللّيلةَ
المنصرمة؟ لقد طلبت منّي أن أعيرها كتابًا وكانت تعلمُ يقينًا أنّني تحرّرت من
عادة القراءة، وكانت تعلم كذلك أن كركبة الكتب القديمة في الخزانة لم يكن السّبب
بل هو الخواء المحشوّ بين السّطور.
**
أحمر .. أصفر .. أخضر ..
سارة، لا تردّديها! ما من إشاراتِ
مرور في المدينة!!
**
الحصاة رفيقٌ سمير.
**
فاطمة قرأتني تلك اللّيلة.
**
سارة تفقد توازنها بفعل ريحٍ قويّة هبّت فجأةً من جهة الجنوب. ألتقطها بيديّ
قبل أن تسقط في البركة علي يسار مدخل المدرسة. تشبّثت بمعطفي طويلًا. إنّها باردة
وخائفة، مثلي! لا بأس يا صغيرة، الحاجب أشغل المدافئ والغرف في الداخل آمنة
ودافئة، وقلبي كله معك!!
**
أركل الحصاة في البحيرة الآسنة.
تتولّد موجات ميكانيكيّة دائريّة تتوسّع ببطء. أفكّر بالمتنبّئة التي برأت جون
أندرتون من جريمته المحتملة! ما كان اسمها؟ آغاثا؟ من سمعها تصرخ في وجه المطارَد: ruuuuuuuuun
بعد أن طمأنته أنّ في بيته الكثير من
الدّفء!
**
دوائر ..
ها نحن ذا، دوائر بشرية على شكل
فقاعات صابون تتطاير في الفضاء. ممنوع التلامس. كلّما ازداد الثّقل انحطّت القدرة
على التّحليق. كلّما تداخلت الحلقات كان الانسلاخ أشدّ فتقا والانفجار أعظم
دويًّا. كدرويش صوفي أبدأ بالدّوران. يتناثر العالم من أطرافي تدريجيّا. أحلّق.
تطوف المفاهيم من عيوني عتابًا مرًّا .. يتضخم قلبي بما يراه من قدرة مشاعري على
التّداعي، هل هكذا تكون الهشاشة؟
القدرة على التّخفّف آخر تركة
الأنبياء.
القابلية للفرار إلى الحلم آخر نداءات
الوحي ..
**
التّخلّي بداية الشّفاء ..
أدور ..
ينسلخ معطفي، فملابسي، تحت المطر
الزّاخم، عراء تام .. ينسلخ الجلد وتذوب العظام .. تبقى روح الله الذي لا يموت
آفاقٌ من نور
وكانت دموعًا غزيرةً
مالحةً
وكان دفءًا لا تشوبهُ خيبة.
