الأخ العشرون | يوسف جُهاري

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

مجلة هارموني الحروف



لم يكن بمستطاع "سيج" مسكَ حبلِ ذكراه الأولى في العالم؛ ذكرى كانت قذفًا غاصبًا، لم تُؤخذ استشارته في الحسبان، أو هكذا يُخيّل إليه.

يتطلّع بحافظةٍ فتيّة إلى شظايا خافتة، مبتدؤها وجوده في بيت من غرفة واحدة ضيّقة، تراكم فيها تسعة عشر أخًا؛ لم يكن يعرف كلّ أسمائهم، أو أنّ أسماءهم جميعًا كانت "سيج".

كانت تُجاورهم أُسرٌ أخرى، تُضاهيهم في العدد، وفي هندسة البيت أُحاديّ الغرفة، لكنّ الفارق كان في لقب كلّ أسرة، وفي الألوان والرسومات التي كانت تُظهر مستواهم المادّي والاجتماعي الذي حباهُم به والدهم.

كانت أسرة "سيج" الأقلّ حظًّا؛ إذ كان سليلَ أسرة "كازا"، وقد حرّم أبوهم – الذي لم يكن قد رآه من قبل – اختيار العائلة التي يمكنك الانتساب إليها. وعالم السجائر لا يمكن – بأيّ حال – القفز على رُتب العائلات (ما أشبهه بأحد العوالم!)؛ فكاميليٌّ سيبقى كاميليًّا، ومالبوريٌّ سيبقى مالبوريًّا، وكازاويٌّ سيبقى كازاويًّا.

 

لم يكن "سيج" مستاءً من قدره المرسوم الذي لم يكن له فيه يد، فقد كان سعيدًا رفقةَ إخوته. إلّا أنّ أسئلةً هوجاء لطالما راودته: لماذا لم يجعل لنا والدُنا بيتًا أوسع؟ ولماذا خُلقنا بموازين مختلفة، رغم أنّ فخر القتل – الذي حكى لنا عنه أجدادُنا – قد كُتب على جبيننا جميعًا؟!

 

في الحقيقة، لم يكن "سيج" كغيره من السجائر؛ فقد كانت تُحزنه تلك العبارة، ولم يكن يجد في قتل أجناسٍ أخرى أمرًا يدعو للفخر. كان يشعر بعار كتابة والدهم على واجهة منزلهم: "قتلة". كان يقول لإخوته: كيف نكون قتلةً، ومادة القتل الأولية لسنا من أنشأناها فينا؟!

 

عالم "سيج" تبدو عليه غرابة عوالم يورغوس لانثيموس، لكنه كان يعجب – أشدّ العجب – كيف يقع هذا في أسرته وجيرانه موقعًا عاديًّا! كان يحبّ منظر تساوي نفوق عائلات السجائر الغنيّة والفقيرة في يد السحّابين. ورغم نشوته اللحظية التي كانت تحققها تلك المساواة النسبيّة، فقد كان يفزع كلّما تذكّر مصير الهولوكوست الذي ينتظره رفقة إخوته.

 

لكنّه سرعان ما يتجاوز أفكاره – التي كانت تبدو له سوداويّة – بنفي وقوعها، ما دام لم يرَ ذلك أحدٌ رأيَ العين.

 

أقنع نفسه أنّ ذلك لا يعدو كونه تخاريف الأوّلين. كيف يستطيع أحد أن يُحرق أحدًا حيًّا، ويُحيله إلى دخان، ثم يدوس على بدنه النافق؟!

 

ولم تكد الأيام تمضي على "سيج"، حتى وجد نفسه وإخوته قد زُحزحوا من كوكبهم، واستُبدلوا بعلبة حديثة. أما هم، فقد صُيّروا إلى حفرة مظلمة، ترتمي إليها بين حين وآخر يدٌ ضخمة، تأخذ منهم أخًا.

 

صحيحٌ أنّ البيت اتسع أكثر، لكنّ نفس "سيج" وإخوته الباقين ضاقت لمّا تذكّروا أهوال الموت التي تنتظرهم.

بين سيجارة وأخرى، لم يكن الاختطاف يأخذ وقتًا كبيرًا. وكم تمنّى "سيج" أن يكون هو الموالي في كلّ مرّة، غير أنّ القدر اختار أن يهبه ميتاتٍ متعددة، جزاءً على استشكالاته البريئة الممنوعة.

تُرك "سيج" وحيدًا. كان يحلم بمسارٍ آخر، واختار التمسّك بتكذيبه للأساطير. هم لم يُصابوا بأيّ خطر، كثيرًا ما آمن الأولون بمعتقدات حتّمها عليهم سياقهم التاريخي.

 

ربّما لم يكن اختطافه بنيّة سوء. رُبّما بنى لكلّ واحد منّا غرفةً، وكان يتعذّر عليه أن يأخذنا جميعًا دفعة واحدة. فكان كلما انتهى من بناء غرفة، ساق أحدنا لها. وهكذا.. لم يتبقّ على أن يصلني بإخوتنا سوى أيام معدودة.

 

أخيرًا، فُتح على "سيج" باب منزل نشأته عنوة. لكنّ السحّاب حمله برفق. استبشر "سيج" خيرًا؛ غرفته قد أخذت زخرفها الأخير.

 

اقترب من بابها، أدخل السحّاب ربع جسم "سيج" فيها، وعبثًا كان ينتظر ولوج بقية جسمه!

 

سمع طقّة لم يكن غريبًا عليه صوتُها، وبعد ذلك شعر بحرارة متسارعة تلفح قدميه، واعتصار يتبعها في عنقه، ثم يُعاد إلى اليد التي حملته أوّل مرة، وهي تلهو به في الأفق.

 

احترق "سيج" ببطء؛ لأنّ السَّحّاب كان قارئًا متأمّلًا...

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates