الكتابة زفيرٌ طويلٌ على مقام الحزن: حوار مع الكاتبة أمينة الخربوع

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

 

مجلة هارموني الحروف

في الأدب كما في الموسيقى، لا تولد الجملة حيّة ما لم يسكنها إيقاعها الخاص. الكلمات قد تحمل المعنى، غير أن الإيقاع هو الذي يمنحها صوتها ويجعلها قادرة على العبور إلى وجدان القارئ. من هذا المنظور الذي ترى فيه مجلة هارموني الحروف الأدب فنا يتجاور فيه الصوت والصمت، وتتعانق فيه اللغة مع الموسيقى الداخلية للنص، يأتي هذا الحوار مع الكاتبة أمينة الخربوع.

في هذا اللقاء تكشف الكاتبة عن رؤيتها العميقة لمفهوم الإيقاع في الكتابة، وعن حضوره في السرد النفسي داخل روايتها مريض الغرفة 7، كما تتأمل العلاقة بين خفقة الشعر واتساع الرواية، وتأثير الحزن والفرح في النبرة الموسيقية للنص.

كيف تنظرين إلى مفهوم الإيقاع في الكتابة الأدبية؟ هل هو عنصر جمالي ثانوي أم مكون بنيوي في تشكيل النص؟

الإيقاع هو البنية الخفية التي يتكئ عليها النص كي يقف على قدميه. ليس زينة لغوية تضاف بعد اكتمال المعنى، بل هو أحد شروط وجود النص ذاته، فالكلمات في الأدب لا وفق منطق النَّفَس إضافة إلى الدلالة. ذلك النفس الذي يحدد سرعة الجملة، وامتدادها، وتوترها الداخلي.

الإيقاع هو ما يجعل اللغة تتحول من أداة إخبار إلى كائن حي ينبض، ولذلك أعتبره مكونا بنيويا، يشبه النبض في الجسد؛ قد لا يراه القارئ مباشرة، لكنه يشعر بوجوده في كل سطر لأنه يعبر عن شخصية الكاتب وأسلوبه، وأفكاره وينقل رسائله.  

روايتك مريض الغرفة 7 تتحرك في فضاء نفسي عميق؛ كيف ترين الإيقاع النفسي داخل السرد؟ وهل يمكن أن نفهمه كنوع من الموسيقى الداخلية للنفس؟

عندما نتحدث عن الإيقاع النفسي داخل النصوص السردية فإننا نتحدث غالبا عن الطريقة التي يبني من خلالها الكاتب نصه، عبر الغوص في المشاعر والأفكار التي تميز مجموع الشخصيات التي تؤثث فضاءه المحكي، والغرض من ذلك إشراك القارئ في مغامرة نفسية عميقة جدا، ولا يتشكل الإيقاع في الرواية النفسية من تعاقب الأحداث فقط، بل من حركة الوعي نفسه، فهناك لحظات تتسارع فيها الأحداث كأنها تلهث، ولحظات أخرى تتباطئ فيها الذاكرة حتى تكاد تتجمد.

ورواية مريض الغرفة 7  ليست بعيدة عن هذه الموسيقى، إنها ذات إيقاع كثيف ومشحون بالتحليل النفسي لشخصيات تعيش معنا، نلتقيها ولا نفهمها، نتواصل معها محملين بالأحكام والألغام. نحن نسكن عالما مليئا بالمجردات والمفارقات والتناقضات ورواية مريض الغرفة 7 تجسيد صادق وأمين لهذا العالم.

حاولت في مريض الغرفة 7 أن أجعل السرد يتنفس وفق اضطراب المريض، فالتشظي النفسي يولد إيقاعا متكسرا ومبهما في أحيان كثيرة، والقلق يصنع جملا قصيرة متوترة، بينما يسمح التأمل بفتح المجال لجمل طويلة تتدفق كاعترافات داخلية على لسان المريض.

لذلك نعم، يمكن فهم الإيقاع في السرد النفسي بوصفه موسيقى داخلية للنفس؛ موسيقى لا تسمع بالأذن لكنها تقرأ بالإحساس.

 كيف تميزين بين إيقاع الشعر وإيقاع الرواية في تجربتك الإبداعية؟

الحقيقة أن التمييز بين الشعر والرواية في تجربتي الإبداعية أمر صعب جدا، لكن يمكنني القول أن الشعر اختيار القلب أما الرواية فهي اختيار العقل، لهذا السبب ظل الشعر موجودا دوما في تجربتي الوجودية، إنه لا يعالج قضايا إنسانية محددة بقدر ما هو لحظتي الصادقة والمشرقة مع نفسي، يأتي عفويا، منسابا، وهادئا بدون تفكير مسبق، يأتي عندما يحتاج قلبي إلى مساحة من العزلة والتأمل. أما إيقاع الرواية فشيء مختلف تماما، فهو أكثرا اتساعا وتعقيدا. مساحة عميقة للتفكير والتعبير، إنها إيقاع الزمن الممتد الذي يتجاوز السرعة والبطء، والانفجار والسكون، إنها طريقتي الخاصة لرسم حدود جديدة للعالم، للهدم وإعادة البناء. الرواية في تجربتي طريقة لقول ما لا يمكن أن أجهر به إلا من خلال الإبداع. وعليه فالشعر يشبه نبضة واحدة عميقة، بينما تشبه الرواية التنفس الكامل؛ شهيق طويل وزفير أطول.  

هل ترين أن التجربة الشعورية (الحزن الممتد أو الفرح العابر) تؤثر في النبرة الموسيقية للنص؟ وكيف ينعكس ذلك في كتابتك؟

سأبدأ الإجابة عن هذا السؤال قائلة أن الكلمات الأكثر هدوءا وحزنا هي التي تبشر بالمعنى والعاصفة، بعبارة أدق إنها ما يمنح النص نبرته الموسيقية ومقبوليته لدى المتلقي، إن الحزن الممتد هو الحافز على الكتابة، لم يسبق أن صادفت نصا "سعيدا" مؤثرا، النصوص التي يغلفها الحزن صادقة، قاسية، ومؤثرة جدا، وربما حقيقة بشكل خرافي لأنها تعكس جوهر الإنسان. المشاعر ليست مادة للكتابة بل هي مقياسها الإيقاعي، الحزن الممتد يخلق نبرة بطيئة متأملة بينما يولد الفرح العابر لغة خفيفة وسريعة أقرب إلى الومضة.

النبرة الموسيقية الحزينة قوية المفعول ودائمة التغلغل في النفس البشرية، لذلك فإن أغلب كتاباتي الشعرية والروائية جاءت حزينة، لأن الحزن معلم فذ وجسور، يعلمنا كيف نشعر، وكيف نكتب، وكيف نعيش، إنه فرصة الكاتب والقارئ للوصول إلى الحكمة النافذة، وربما أعظم حكمة استطاع الإنسان الوصول إليه كانت بسبب لحظات الحزن الممتدة التي يحاول أن يشكلها قصصا وحكايات وإيقاعات شعرية، تجعله يشعر بأنه موجود، لا عبر ما كتبه فقط، بل عبر استكشافه لما يستطيع الحزن أن يصنه عندما يكتب.

إن لحظات الفرح عابرة، قصيرة، وفقيرة جدا، أما لحظات الحزن فهي ممتدة، مكثفة وغنية جدا. أحيانا يكشف النص الحالة النفسية بصدق، إنه يفضح ما تحاول اللغة أن تخفيه.

يذهب مالارميه إلى أن البياض جزء من النص؛ إلى أي حد تمثل الفراغات الطباعية والصمت في نصوصك وقفات إيقاعية تعيد تشكيل الدلالة وتمنح المتلقي فرصة التنفس؟

البياض والصمت جزء من حياة الإنسان بشكل عام، والنص الإبداعي الصادق أمين في نقلهما، لا باعتبارهما نوعا من الوقفات الدلالية، بل كحاجة إبداعية لابد منها ليكتمل النص، إن البياض والصمت في نصوصي يخاطب ذكاء قرائي ويمنحهم الفرصة لتشكيل معانيهم الخاصة وبالتالي فإن لكل قارئ نظرة وقراءة للمكتوب، إن النصوص المشمولة بالبياضات تشبه الثمار التي تتساقط من الأشجار، إنها طيبة وحلوة لمن يملك الوعي لإدراكها والذوق الكافي للإحساس بأهميتها، إنها تسقط وتتفتح قشرتها ويبرز المقصود منها بهدوء تام.

مجلة هارموني الحروف

في ظل التحولات الرقمية وتسارع الإيقاع اليومي، كيف تحافظين على توازن النص وتناغمه الداخلي؟

الكاتب الجيد، هو الكاتب الذي يجيد التكيف مع كل التحولات الاجتماعية، إنه جزء من سيرورة إيقاعية متسارعة، لكنه مع هذا التكيف يجب عليه أن يحافظ على نبرة صوته الخاصة، وأن لا يضيع وهو يحاول أن يكتب ويعالج ويمرر الرسائل. أن يختار الإنسان بعناية طريقه، وأن يحدد ما يريد ويستمع إليه، وينتزع لنفسه الأشياء التي يريدها، تلك هي أولية الذكاء، وأنا هذا الإنسان الذي يعيش هذه التحولات ويعيها ويفهم دورها ويحاول أن يستغلها بطريقة معقلنة لتكون معينا له في رحلته في الكتابة.

هل تلعب البيئة المكانية (المدينة أو العزلة) دورا في تشكيل الإيقاع الخاص بكتابتك؟

 المدينة بإيقاعها الصاخب تخلق نصوصا متوترة ومتحركة، بينما تمنح العزلة للكتابة إيقاعا أكثر هدوءا وتأملا، لكل مكان موسيقاه الخاصة، والكاتب لا يفعل أكثر من التقاط تلك الموسيقى وتحويلها إلى كلمات. وأنا نتيجة لا لبيئة مكانية محصورة مدينة كانت أو عزلة، بل لعالم ذهني بنته طفلة صغيرة منذ زمن بعيد، طفلة كانت تتخيل العالم على شكل جنة باسمة المحيا على الدوام، الحقيقة أن إيقاع هذه الطفلة ما يزال حيا داخلي، ما زلت أسمع كلماتها وخطواتها، ومازلت أؤمن بأفكارها النبيهة وأحاول أن أحققها، هذا العالم الذهني تحركه المشاعر الصادقة، والأفكار والأحلام وصرح المعارف والتجارب التي حظيت بها هذه الطفلة منذ عقلت على الدنيا إلى اللحظة التي أجيب فيها عن هذا السؤال.

  بين صرامة القواعد اللغوية في حقل التدريس وانفلات الخيال في الإبداع؛ كيف يساهم وعيك الأكاديمي باللغة في ضبط النبر الإيقاعي لنصوصك دون أن يفقدها عفويتها الجمالية؟

التدريس ليس بعيدا كل البعد عن الإبداع لأنه ينطلق من قدرة المدرس الإبداعية على صياغة الدروس وتلقينها للمتعلمين، تدريس اللغة ليس آليا ميكانيكيا كما يعتقد البعض، إنه عملية تفاعلية بين العقول والقلوب والمشاعر، لحظة وجودية عاطفية ومهنية وعفوية، يستخدم فيها المدرس أسلحته الإبداعية لجعل الدرس ممتعا ومفيدا. إذا كانت هذه ماهية التدريس فإن جوهر الإبداع ليس صورة جمالية مخاطة بدقة وصرامة، إنما هو رحلة خيالية حرة وعفوية هدفها تحويل المستحيل إلى ممكن، والخيالي إلى واقعي.

وعيي الأكاديمي باللغة منحني حساسية عالية تجاه بنية اللغة، لكنه لم يحاول أن يقيد خيالي، ولم يمنعني من الكتابة بعفوية بل فتح لي المجال لتكوين نظرة جمالية خاصة عن العالم الذي أريده من خلال نصوصي، عالم بسيط البنى عميق المعانى، ينطلق من القواعد ويهدمها في آن واحد، والقواعد اللغوية أدوات لضبط الإيقاع، وليست سلاسلا تقيده، والكاتب الجيد يعرف القاعدة كي يبتكر انحرافه الخاص عنها.

نشرت أعمالا في مجالات متعددة (شعر، رواية، مسرح...) هل تشعرين وجود لحن شخصي موحد يربط بين هذه الأجناس الأدبية في كتابتك؟

أعتقد أن لكل كاتب لحنا خفيا يميزه يرافقه عبر نصوصه، قد تتغير الأجناس الأدبية، لكن الحساسية الجمالية تبقى نفسها، وربما يكون ذلك اللحن الخفي في حالتي هو الميل إلى استكشاف النفس البشرية عبر التوقف عند هواجسها، ووحدتها، وقلقها، وتوترها وبحثها عن المعنى.

وأخيرا، إذا ما استعرنا معجما موسيقيا  لتوصيف فعل الكتابة لديك؛ فهل هي ارتجال (improvisation) حر، أم توزيع (Orchestration) دقيق لطبقات الصوت والصمت؟

 الكتابة هي الكتابة سواء أكانت ارتجالية حرة أو توزيعا دقيقا صارما تتحكم فيه القواعد. وجدت القواعد ليتم خرقها وتجاوزها إلى ما بعد القواعد، والهدف من ذلك ليس بناء نص إبداعي يفتقر إلى الانسجام، إنما بناء نص يتماشى مع نبض قلب الكاتب، لأن النصوص المولدة عن طريق القواعد الصارمة فارغة من المعاني وعلى النقيض من ذلك النصوص الحرة المولدة عن موهبة هي التي تبقى راسخة في ذاكرة التاريخ.

لم توجد الكتابة الإبداعية لتكون مقيدة وإلا فلن تعبر عن أي شيء، ولن تحقق الغاية من وجودها، وجدت الكتابة الإبداعية حرة لتصرخ مرة، وحرة لتنتقد مرة، وحرة لتصمت عندما ينتهي الكلام.  

تتعدد الأجناس الأدبية في تجربتها بين الشعر والرواية والمسرح، غير أن لحنا داخليا واحدا يظل حاضرا في خلفية الكتابة: البحث في هواجس الإنسان وأسئلته العميقة. وهكذا تظل الكتابة، في رؤيتها، فعلا حرا يرافق اهتزازات القلب ويصغي إلى دوزنات الروح، ويترك للنص أن يجد إيقاعه الخاص في ذاكرة القارئ. وهكذا، نختم حوارنا مع المبدعة أمينة الخربوع وقد تجلى لنا أن الكتابة فعلُ تنفس بامتياز.


جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates