تسرّب ذهني من الحاجب | بلال الخوخي

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

مجلة هارموني الحروف

العين الحائمة من الأعلى كصقر باحث عن طريدة، أكملت التقاط الصورة البانورامية وكدست تفاصيلها في تجاويف ذاكرة تكدس كل شيء، تكديس متواصل كما لو أن آلة عملاقة تبتلع كل واردة وتضغطها دون سابق انتقاء، ثم يتشوه كل ذلك، فيشتعل رأسه نارا تغريه بالقفز، عساه ينال الخلاص من آلامه المتناسلة كفقاعات لطفل يكتشف للمرة الأولى متعة النفخ بالقصبة في الماء والصابون.

الرجلان المدليان من الأعلى، كصقر منقض على طريدة، اخترقا ذرات الهواء متجهين نحو الأرض الإسفلتية المستحيل اختراقها بهيكله. المصير المحتوم للجسد لا يستوجب نفس المصير للكائنات الساكنة في رأسه، ماذا لو لاحقته في الجانب الآخر بعد الموت؟ هل من طريقة سيكتشفها هناك للانعتاق، للانتحار؟

هذا السقوط، مجرد فكرة أخرى نبعت في ذهنه واكتملت وتحللت خلال ثانية واحدة نبعت أثناءها فكرة أخرى نسفت الأولى؛ ذلك أنه فكر جديا في إمكانية عدم الفكاك من بُنَيّات دماغه النطاطة إذا ما انتقل إلى البعد الآخر للوجود.

سحب رِجليه من الحافة وتراجع، ليجد نفسه مدفوعا إلى البحث في جيوبه عن حبوبه المهدئة، المضادة لهذا التدفق الذهني. ابتلع الحبة وأغمض عينيه، أحس بأثر انزلاقها في حنجرته، فاستحضرت ذاكرته أثر حبوب تناولها قبل خمسين عاما، وهو ابن خمس؛ كان يفتش في درج أمه حتى وجد علبا من "الحلويات الملونة"، فأخذ يلتهم إلى أن وجدته أمه مغشيا عليه، فهرعت إلى حمله وأخذ علب أدويتها والإسراع نحو المشفى.

 أحس بالمرارة تتكوم في حلقه ثم بغثيان شديد يدفعه للتقيؤ، مثلما حدث على فراش المستشفى بعد خضوعه لغسيل المعدة، إلا أنه تشبث بالخيوط الواهنة لتركيزه مقاوما، إلى حين سرى مفعول الحبة فنال راحة مؤقتة من تظافر الألم، ثم حظي بحرية رفرفت بذهنه إلى الجنان؛ فما عاد يرى شيئا سوى ألوان قزحية متماوجة دون امتزاج. واستنشق ريحا زكية كأنها عطر ملائكي، فانتشى بها انتشاء المدرِك حِسان مراتب الفكر، وانكشفت له الحجب العليا فأحاط بكل فكرة علما دقيقا لا يغشاه التخبط الموجع من ترهلات أفكار حالاته العادية، بل صار ينظر إلى أفكاره كلها، قديمها وحديثها، قيّمها وبخسها، مصفوفةً منضودةً كأنما هي هكذا موجودة منذ الأزل؛ تقبع كل فكرة في حيزها الخاص دون جرأة على القفز عن الحدود.

اليدان المبسوطتان كصقر أفلتت منه طريدة، انقبضتا بعد أخذ نفس طويل أنعش الخلايا رغم سخونته. قصد باب السطح نازلا الدرج ومستغلا لحظات السكينة السارية في ذهنه، لكن دماغه لا يرتاح ثانية إلا ليشتعل عشرا، وذاك ماكان، بالضبط، عند آخر درجة فارقتها قدمه اليمنى؛ بدأ رأسه ينغل بما فيه، وتتهاطل عليه الصور والأصوات والأحداث الواقعة والأحداث المتخيلة مثل عاصفة برَد تنقر جمجمته بلا رحمة.

ضغط على جنبي رأسه بكلتا يديه فأحس بالهرش يتمركز عميقا، ولكي يمنعه من التعشيش هناك، كوّر قبضتيه وصار يضرب رأسه مثل كيس ملاكمة.

الدم المتسرب من حاجبه كصقر أصابته رصاصة قاتلة، لطخ جانب وجهه الأيمن وجزءا من ياقة قميصه؛ حاول الحد من تسربه بواسطة الضغط بيديه، ولما ضغط تذكر المرات الكثيرة التي كان يلوذ فيها إلى الضغط بيديه؛ يؤلمه رأسه فيضغط، يهتاج دماغه فيضغط، تتضبب عيناه فيضغط، يضغط ويضغط ويضغط… ولأول مرة يضحك من الصورة الوافدة أمام عينيه من صندوق ذاكرته العجيب؛ فسحب يده وترك لدمه حرية الفوران، وخرج إلى الشارع ضاحكا غير مبال بالوجوه المندهشة من رؤيتها كهلا يضحك بينما الدم يغطيه.


جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates