الشعر والدين: تمايز الخطاب | أيمن البزى

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

 

مجلة هارموني الحروف

يشكل الحقل الشعري مجالا خصبا ومتشعبا للكتابة والتأمل، إذ يقوم الشعر في جوهره بوصفه فعلا وجدانيا يتسم باللغة والصورة المتخيلة، وينتظم في الوقت نفسه داخل نسق من الضوابط العروضية التي شكلت عبر التاريخ أحد المعايير الرئيسة لتعريفه وتمييزه. وقد حظي الشعر بعناية بالغة في التراث النقدي العربي، إذ انصرف النقاد القدماء إلى تحديد ماهيته واستجلاء خصائصه وتقعيد أصوله، بدءا من جهود قدامة بن جعفر، ومرورا بابن رشيق وابن طباطبا العلوي، وصولا إلى تنظيرات حازم القرطاجني، وهي جهود أرست معالم النظرية الشعرية والنقدية في التراث العربي. غير أن الدارس لتطور الشعر العربي يلحظ منعطفا اقترن بمجيء الإسلام، إذ غدا الدين بوصفه خطاب هداية وإرشاد عاملا بالغ الأهمية في إعادة تشكيل الحساسية الثقافية والأخلاقية التي تتحرك في إطارها التجربة الشعرية.

هكذا يعد السؤال المتعلق بطبيعة وحدود العلاقة بين الدين والشعر، من الأسئلة المتجذرة في الفكر النقدي. وقد تباينت المواقف من هذه العلاقة بين من رأى في الشعر مجالا مستقلا قائما على التخييل والانفعال الجمالي، وبين من سعى إلى إخضاعه لمنظومة القيم الدينية والاعتبارات الأخلاقية أي إرجاعه دائما وأبدا لمسألة الضبط العقدي.

من جهة أخرى، يكشف النظر النقدي المتأني، أن الدين بوصفه نسقا عقديا ومعياريا يقوم على الضبط والتشريع، في حين أن الشعر خطاب تخييلي في المقام الأول يذهب إلى الحرية والتأويل والانفلات من حدود التقرير.

بناء على هذا المنطلق، لا يمكن الجزم قطعا بضرورة إبقاء الدين بمعزل عن الشعر، إذا ما اعتبرنا هذه المسألة كدعوة إلى إحداث قطيعة بين المجالين، والأقرب إلى طبيعة الإشكال أن ينظر إلى العلاقة بينهما في ضوء تمايز بنيوي، بين خطابين مختلفين في المقاصد، والآليات، والوظائف.

ولقد وعى النقاد العرب الأوائل شيئا من هذا التمايز، ويكشف هذا التصور عن نزعة نقدية مبكرة في التراث العربي التي تميل إلى تقويم الشعر تقويما فنيا خالصا، وهو ما يجعل حكم النقد منصبا على العمل الفني من حيث بناؤه وأدواته البلاغية لا على مادته الأخلاقية فقط.

يعد أبو بكر الصولي في طليعة من نهضوا بالدفاع عن أبي تمام، إذ تصدى لمنتقديه الذين عمدوا إلى الطعن في شعره عبر استحضار معطيات من سيرته الشخصية، من قبيل ما نسب إليه من ضعف في التدين، أو التفريط في أداء الفرائض، أو التهاون في إقامة الشعائر. وقد ذهب في هذا السياق إلى تفكيك هذا المنحى النقدي، مؤكدا عدم مشروعية إخضاع الخطاب الشعري لمقاييس أخلاقية أو دينية خارجة عن طبيعته الفنية، ويظهر ذلك جليا في قوله " وقد ادعى قوم عليه الكفر بل حققوه، وجعلوا ذلك سبباً للطعن على شعره، وتقبيح حسنه، وما ظننت أن كفراً ينقص من شعرٍ، ولا أن إيماناً يزيد فيه... " ¹

كما يذهب قدامة بن جعفر في هذا السياق  إلى التمييز الدقيق بين القيمة الجمالية للشعر والقيمة الأخلاقية  للمعنى، إذ يرى أن جودة الشعر لا تتحدد بطبيعة المعنى في ذاته أكان حسنا أم قبيحا، بل تتحدد بكيفية صياغته فنيا داخل البنية الشعرية، ففحاشة المعنى أو دناءته الأخلاقية لا تعد معيارا صالحا للحكم على جودة الشعر أو رداءته، ولهذا يستعين بتمثيل صناعي يقيس فيه الشعر على النجارة، وذلك بدليل قوله "وليس فحاشة المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر فيه، كما لا يعيب جودة النجارة في الخشب مثلا رداءته في ذاته.. " ²

يتميز القاضي الجرجاني باختصار تعبيره وصرامة موقفه ودقته، إذ يضع حدا فاصلا واضحا بين الشعر والدين والأخلاق، متفوقا في ذلك على غيره من النقاد. فقد رفض قياس الشعر بمعايير الدين أو القيم الأخلاقية، مؤكدا استقلالية الفن الشعري عن هذه الضوابط. ويظهر ذلك جليا في " الوساطة "، حيث ينتقد بشدة أولئك الذين استندوا إلى بعض أقوال المتنبي المخالفة لتعاليم الدين أو القيم الأخلاقية، محاولين منها استنتاج مبرر للطعن في شاعريته، وذلك بدليل قوله: " والعَجَب ممن ينقص أبا الطيب، ويغضّ من شعره لأبيات وجدها تدل على ضعف العقيدة وفساد المذهب في الديانة.. " ³

كما يلحظ الجرجاني في "الوساطة بين المتنبي و

خصومه " أن الاعتبارات الدينية لا تشكل معيارا حاسما في تقويم الشاعر أو شعره، إذ يقرر مبدأ نقديا يقوم على الفصل بين الحكم الديني، والحكم الجمالي في تقويم الشعر، ففساد الاعتقاد أو مجانبة الشاعر للقيم الدينية لا ينهضان سببا كافيا للحط من القيمة الفنية لشعره. ويستدل على ذلك بشعر أبي نواس، مبينا أن القول بربط جودة الشعر بسلامة الديانة يفضي منطقيا إلى إقصاء شعره من الدواوين. بل وإلى استبعاد شعراء الجاهلية الذين انعقد الإجماع على كفرهم، وهو ما لم يقع في الممارسة الأدبية، ولا في تقاليد الرواية والنقد. ومن ثم يخلص الجرجاني إلى تقرير قاعدة مفادها أن " الدين بمعزل عن الشعر"، أي إن تقويم العمل الشعري ينبغي أن ينصرف إلى مقاييسه الفنية المتمثلة في جودة النظم وحسن السبك وابتكار المعاني، لا إلى المواقف العقدية لصاحبها، نستعرض في هذا السياق ما نصه " فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسمُ أبي نواس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولَكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر… والدين بمعزل عن الشعر " ⁴

كما أورد في هذا الصدد ما نصه جلال الدين السيوطي في كتابه الموسوم ب "الإتقان في علوم القرآن"

"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الشِّعْرُ دِيوَانُ الْعَرَبِ فَإِذَا خَفِيَ عَلَيْنَا الْحَرْفُ مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ رَجَعْنَا إِلَى دِيوَانِهَا فَالْتَمَسْنَا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ مِنْهُ.

ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا سَأَلْتُمُونِي عَنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ فَالْتَمِسُوهُ فِي الشِّعْرِ فَإِنَّ الشِّعْرَ دِيوَانُ الْعَرَبِ" ⁵

يكشف القول السالف عن وعي مبكر بوظيفة الشعر في الثقافة العربية بوصفه مرجعا بالغ الأهمية في فهم القرآن الكريم، و ضبط دلالاته. فقد تقرر في سياق تفسير القرآن، أن ما قد يستشكل من ألفاظه أو يتبدى من غرائبه يلتمس بيانه في الشعر، باعتباره الحافظة الكبرى لاستعمالات العرب وأساليبهم التعبيرية. ويفصح هذا الموقف من جانب آخر  عن إدراك منهجي مؤدَّاه أن فهم النص القرآني من جهة لغته، يقتضي استحضار المجال التداولي الذي تشكلت فيه العربية، وكان الشعر أبرز تجلياته. وبذلك يغدو الشعر في هذا التصور وثيقة لغوية وثقافية يستأنس بها المفسر لاستجلاء الدلالة، الأمر الذي يدل على أن العلاقة بين الشعر والقرآن لم تُبْنَ في التراث العربي على مبدأ القطيعة المطلقة، بل على تمايز في المقاصد والوظائف مع تداخل في المرجعية اللغوية.

وبالنظر إلى ما أفضى إليه هذا الاستقصاء النقدي من عرض و تحليل وتمحيص، أشير هنا  إجمالا إلى النقاط التالية:

الشعر بوصفه خطابا تخييليًّا، لا يشتغل وفق منطق الضبط العقدي. ومن ثم فإن الفصل المنهجي بين الدرس الشعري والمجال الديني لا يفهم بوصفه إحداث قطيعة قيمية، وإنما باعتباره إجراء نقديا يَحولُ دون إخضاع النص الجمالي لمعايير خارجية لا تنتمي إلى منطقه الداخلي. وعلى هذا الأساس يُناطُ بالمتلقي حق التفاعل مع النص في أفق التذوق والتأويل، قبولا أو رفضا دون أن يُسْتَتْبَعَ ذلك بمنظومات الإلزام العقدي.

الدين خطاب معياري تقويمي بينما الشعر خطاب تخييلي جمالي ولكل منطقه الخاص.

أسهم الشعر في فهم القرآن الكريم، مما يدل على علاقة تفاعل لا قطيعة.

إخضاع الشعر لمنظومة أخلاقية صارمة يؤدي إلى تقييد الإبداع وإفقار التجربة الشعرية.

العلاقة الأنسب بين الدين والشعر هي تمايز في الوظائف، وتداخل في المرجعيات.

 

مسرد المصادر:

¹ - كتاب أخبار أبي تمام - أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولي. ص22

² - كتاب نقد الشعر - قدامة بن جعفر - مطبعة الجوائب - قسطنطينية. ص5

³ - كتاب الوساطه بين المتنبي وخصومه ونقد شعره - القاضي الجرجاني -تحقيق وشرح: محمد أبو الفضل إبراهيم - علي محمد البجاوي. ص63

⁴ - كتاب الوساطه بين المتنبي وخصومه ونقد شعره - القاضي الجرجاني - تحقيق وشرح: محمد أبو الفضل إبراهيم - علي محمد البجاوي. ص64

⁵ - كتاب الإتقان في علوم القرآن - جلال الدين السيوطي - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ص67

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates