ليتني لم أذهب | محمد المجيد

جارٍ الحساب...
حجم الخط:
مجلة هارموني الحروف

مساء يوم الخميس جاءني خبرها، عندما كنت مستاءً من الحياة واضعا في أذناي سماعات تبثُّ لي بعضا من كلمات أم كلثوم "ودارت الأيام ومرت الأيام ما بين بعاد وخصام" كأنها توحي لي بخبر يثلج صدري ويفرح وجداني. بالفعل ذلك ما كُتب لي، عندما كنت أتجول في إحدى صفحات الإنستغرام صعودا وهبوطا متفاعلا مع بعض المنشورات تارة، ومعلقا على أخرى، تملكني الملل واجتاحتني قطرات اليأس مما أنا فيه من وحدة، وحزن، وغضب، واستياء وبُغض للفراق، حتى تلقيت بشرى خروجي مما أنا فيه. 

فتحت تلك الرسالة بلهفة العاشق الولهان، فإذا بها هي. لا أصدق، اشتعل وجداني بشدة وانفتحت الحكاية من جديد. بدأت أقرأ تلك الكلمات الذهبية والدموع تغمر جفاني، أقرأ وأقرأ وأعيد القراءة مرة أخرى لأتأكد مما كتب، حيث جاء في الرسالة أنها تعتذر عن كل ما مضى وتطلب لقائي عند مغيب شمس يوم الغد بجوار مكاننا السابق "الحديقة الكبرى"، المكان الذي امتزجت فيه القلوب أول مرة وتفرق فيه العالم. اجتاحتني نكسة غريبة، كأنها قوس قزح يجمع بين منكبيه الوحشة والخذلان، الحب والكره، اللقاء والفراق.. أصبت بالغثيان في تلك اللحظة كأنني في دوامة لا مخرج منها، أوقفت الموسيقى ونزعت السماعات من أذناي، أخذت بعض الماء الذي كان بجانبي على المائدة، شربت منه قليلا ورششت على وجهي بعض القطرات كي أستفيق، أصبت بصداع في الرأس سببه لي إغراقي في التفكير. فتحت تلك الرسالة مرة أخرى وكتبت جملة واحدة ووحيدة: انتظريني في نفس المكان.
في اليوم التالي استيقظت بكامل حيويتي وسروري كأني شخص آخر، محب للحياة، مفعم بالأمل والحب، ما أعجب الحب!

قصدتُ الحلاق لأهذب خصلات شعري التي تمردت على وجهي من فرط الإهمال، ثم مضيتُ إلى الحمام لأغسل عن جسدي غبار شهور مضت. اخترتُ أبهى ثيابي، وتطيبتُ بقطرات من عطري الذي تعشقه شروق. مرّ الوقتُ متسارعا كأنه يفرُّ من قبضة الحاضر، فاستقللتُ سيارة أجرة أسابق بها الزمن لأصل قبل الموعد المنشود. ما هي إلا نصف ساعة حتى كنتُ أحثُّ الخطى نحو ركننا المعهود في الحديقة. جلستُ هناك، ينهشني الانتظار، وعيناي تفتشان الأفق بلهفة، بينما يداي ترتجفان شوقا لمصافحتها. أما ذهني، فقد كان في معركة ضارية يحاول لجم مشاعري وتهذيبها، لعلَّ الحكمة تسعفني في انتقاء الكلمات التي تطفئ لظى التساؤلات المستعرة في صدري. نظرت إلى ساعتي فإذا بها السادسة ونصف ولم تأت، قلت ربما هي في الطريق وتأخرت بسبب زحمة السير، مرت نصف ساعة أخرى ومازالت لم تظهر، قلت لأنتظر قليلا ربما تصل بعد قليل، وبدأت أردد ربما.. ربما، ولم أشعر بالوقت حتى مرت ساعتان ولم تأت، لُمتُ نفسي لوما شديدا واشتعل كياني من الغضب.

 استهزأتِ بي، جعلتِني أضحوكة العصر، يا لي من بليد عديم النفس، فمن يتركك مرة قادر بأن يتركك ألف مرة..


لملمتُ شتات نفسي، وتوشحتُ خيبتي، ثم قفلتُ راجعا بخطى متعثرة تثقلها الهزيمة. وبينما كنتُ أمضي حاملا أوجاعي بين ضلوعي، اخترق صمتي صوتٌ مألوف ينادي باسمي:

ــــ  محمود.. محمود، انتظر!

التفتُّ في دهشة إلى المنادي فإذا بها سلسبيل شقيقة شروق، قلت لها بنبرة فضّة: ماذا أتى بك إلى هنا؟ أو لم تستطع أن تأتي أختك فأرسلتك أنت بدلا منها؟ إييه تكلمي..
حَنَتْ سلسبيل رأسها باتجاه الأرض وقالت بنبرة تكاد تكون مزيجا بين الحزن والبكاء:
-
شروق ماتت قبل شهور، وكانت أمنيتها أن تراك قبل أن تموت..
ما إن سمعت نبأ وفاتها حتى اجتاحتني رعشة الحزن والأسى ولم تستطع قدماي أن تحملني فسقطت فوق الرصيف وبدأت أنوح بأقصى نبرات صوتي: هذا كذب، هذا كذب، أنتم افتعلتم هذه المكيدة كي تفرقوا بيننا أليس كذلك؟ قولي إنه كذب، هاه قولي، لا يمكن أن تموت هي راسلتني ليلة أمس ما هذا العبث؟؟
قالت سلسبيل وهي تحاول مواساته وتهدئته، هذا قدر الله وما شاء فعل هدِّأ من روعك واستجمع طاقتك يا أخي.
أخبريني كيف؟ ومتى؟ ومن راسلني يوم أمس؟
قالت: بعد مرور ثلاثة أشهر على وفاة شقيقتي شروق قررتُ أن آخد هاتفها وأحذف كل حساباتها رحمة بروحها، شغلت الهاتف وما إن فتحت زر التشغيل أُرسلت لك الرسالة التي ظلّت معلقة طيلة هذه المدة على الواتساب، كتبتها المرحومة تريد أن تخبرك بمرضها المزمن وسبب انفصالها عنك ولكن قُدِّر لها أن تموت قبل أن تبعثها. عندما رأيتها أُرسِلت لك وقرأتَها ولم ترد إلا بعد ساعة علمتُ أنه ليس في علمك شيء بموت شروق وأنك مستاء من طلبها بالانفصال عنك..
قاطعتها متمتما: اصمتي.. اصمتي، ولا تتفوهي بكلمة أخرى، وقفت بصعوبة من على الرصيف ورأسي يرن كضجيج الرحلة الأبدية. توجهت ولا أعلم أين أذهب، أبكي وأبكي وما لبكائي من لفظة تريح خاطري، في ذلك الليل من يحضنني ومن يريحني، أصبت بانهيار عصبي وغاب الشعور عني وتملكني اللاشعور.
ومنذ تلك الليلة وأنا لست أنا...


جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates