مرثاة ملاك متعب | نزار لعرج

يتم حساب الوقت...

 

مرثاة ملاك متعب

نزار لعرج
تقديم المحرر: تنسج هذه القصيدة رؤيا جنائزية لعالم يفقد بوصلته، حيث يتماهى الذاتي مع الكوني في لغة تستلهم إيقاع التفعيلة لتكسر أفق التوقع. النص مشحون بالتوتر الوجودي بين الرغبة في التحليق وثقل الواقع؛ حيث يعلن الشاعر استسلامه أمام قصور اللغة ذاتها، متخليا عن أجنحة المفردات ليسقط في هاوية المعنى.

سألتُ الرَّمادَ..
عن البدء حين يَشِي بالخِتامْ
وعن وَطنٍ.. كلَّما مَسَّهُ النورُ
أغمضَ عينيهِ ثُمَّ اسْتَنامْ!
أنا آخِرُ الأنبياء الصغارِ..
أُهَرِّبُ قمح التَّنبُّؤِ في جُبَّتي
وأغزلُ من شَعَرِ الغيمِ.. شالَ الغمامْ
ولكني..
كلَّما هَمَّ قلبي بطيرانِهِ
قَصَّتِ الريحُ جِلْدَ الحَمامْ!

تَعَبٌ.. كأنَّ المَجرَّاتِ تجري بصدري
وتَعثُرُ في غصَّةٍ من ضَياعْ
تَعَبٌ.. يَحشدُ الخيلَ في شَرَياني
ويَكسرُ في داخلي.. ألْفَ صَاعْ
أنا نُطْفَةُ المَاءِ في الصَّخرِ
سرُّ التَّجلي الذي لا يُباعْ
أنا المُتْرَعُ الآنَ بالصَّمْتِ..
أحملُ أهرامَ حُزني على كَتِفٍ من زُجاجْ
وأمشي الهُوَيْنَا..
على لُجَّةِ الصَّرْحِ نَحْوَ المَجَازِ
ولا شَيْءَ خَلْفَ كُؤُوسِ الزُّجَاجْ!

"أنا المُتْرَعُ الآنَ بالصَّمْتِ..
أحملُ أهرامَ حُزني على كَتِفٍ من زُجاجْ"

تَعَبٌ.. يسرقُ الصُّبْحَ من بَسْمَتي
ويَمنعُني أنْ أقولَ لِشَمسي: خُذيني
أخافُ على الكُوبِ من لَمْسَةٍ من يَدَيَّ
أخاف على الحَرْفِ من كَسْرَةٍ في أنيني
أنا مَن تَهَجَّى تفاصيلَ هذا الفضاءِ..
وعَادَ بِخُفَّيْ سَرَابْ!
يُحِيكُ مِنَ الرِّيح قُمْصَانَهُ العَارِيَةْ،
فلا الأَرْضُ تَسَعُ جُرْحِي،
ولا السَّقْفُ يَحْمِي خُطَايْ!
تَدُورُ بِيَ الأَرْضُ في سَاقِيَةْ
وأسْأَلُ عَنْ رِحْلَتِي الآتِيَةْ!

تَفِرُّ الكِناياتُ من جعْبَتي كالعصافيرِ
تَهجرُ عشَّ اللغةْ
فلا النَّحْوُ يُسعِفُني كي أَقومْ
ولا الصَّرْفُ يَقْدِرُ أنْ يَصْرِفَ المَوْتَ عنِّي..
فها أنذا أخلعُ المُفرداتِ..
وأُرخي جَناحَيَّ للهاويةْ!
سأتركُ ريشي على حافَّةِ السطرِ..
فقد أتعبتني خُطى القافيةْ!

عن الشاعر

نزار لعرج: شاعر وباحث مغربي. مؤسس ومدير نشر مجلة "هارموني الحروف". يزاوج في تجربته بين الكتابة الإبداعية والبحث الأكاديمي في مجالات ديدكتيك اللغة العربية وتقاطعات الأدب والعلوم المعرفية. تعكس نصوصه انشغالاً عميقاً بسؤال الحداثة الشعرية، محاولاً تجديد البنية الإيقاعية والتصويرية للقصيدة العربية.

© جميع الحقوق محفوظة للمؤلف - نُشر في مجلة هارموني الحروف

التعليقات