ورقة بن نوفل | يوسف جُهاري

يتم حساب الوقت...
مجلة هارموني الحروف
فلسفة الأدب

ورقةُ بن نوفل

بقلم: يوسف جُهاري
بْيُو: "القراءةُ هوسي، وبالكتابةِ أحيا."

لعلّكم تتساءلون من صاحِب هذا "البيو"، مع الأسف ذلكَ شرفٌ لم أنلْه، لكنّهُ صديقٌ لي، يُدْعى "وَرَقَة"، سمّته أمّه بهذا الاسم تيمّنا بورقة بن نوفل الأسدي، ذلكَ الذي سقى عبَراتِها وهي تقرأ قوله لمحمّد صلى الله عليه وسلم: وإنْ يُدْرِكني يومك أنصرك نصراً مُؤزّرا.

أعرِف ورقة جيّدا، وأكادُ أقول إننا نشأنا سويّا، فاجأني آخر مرّة تحدّثنا - قبل عشر سنوات - بإنهائه لرواية "جَهْبذ"، رأيتُ الفخر بألحاظِه البرّاقة، هي روايته الخامسة في حياتِه، في نفسِ الفترة أنهى حفظَ بضعة أبيات، كان ينشدها عليّ كلّما التقينا. يُجْلسني قبل أن يتطايرَ ريقه ذاتَ اليمين وذات الشمال؛ هذهِ جريرةُ المتنبّي علي، فقد سمع ورقة أنّه لم يُلقِ قصائده واقفا حتى أمام سيف الدولة.

صديقي هذا قِصّتُه عجيبة، لمْ أسمعها من أحد، لكنّني قرأتُها في مكانٍ ما. رأى كاتبَه المفضل "غضنفر المسيحي" في أحلامِه، وهو يُبشّره:

أنتَ نبيُّ القصة القادِم.

استيقظَ ورقة بملعقةِ المجْدِ في فمه؛ لا شيء، لا أحد، حتّى ابنُ سيرين، لن يجرؤ على تأويلِ رؤياه على غيرِ ظاهرها. توجّه تلقاء مكتبه، أغلقَ غرفته بإحكام، وحمل قلماً وورقة، قضى ثلث يومهِ دونَ أنْ يَخُطّ عبارةً واحدةً.. الأمرُ غيرُ صحيح، لقد كتب، لكنّه لم يكن يتجاوز سطرين دون أن يُضْرِبَ عليهما.

تأمّلَ يائساً في أنامله الصغيرة ثم تذكّر اقتباساً لكاتِبه المفضل:

قدرُ المبدعين أن يُولدوا بأنامل عرجاء، لا جبيرةَ تُقوّمها غير التي من صنعِ أيديهم.

دخلَ لجامعةِ فايسبوك، مارك يسترِق السمع لنوايا مُرْهفِ القلبِ ورقة، مع أوّلِ تحديثٍ للصفحة، جحظتْ عيناهُ الحالمتان أمامَ إعلانٍ لدورةٍ تكوينية مدفوعةٍ بعنوان:

سنأخذُ بِيدِ كُلِّ قلمٍ حتى يضرِبَ اسمُه في الآفاق.

الدورةُ بخمسين دولاراً، ألحّ ورقةُ الطلبَ على أمّه، لمْ تهبه غير عشرين، سعد بذلك؛ لأنّ المُكلّف بالتسجيلِ أخبره أنّ التقسيطَ ممكن، بشرط، أنْ يُكمِل الدفع قبل انتهاء الدورة التي تستغرق أسبوعين.

بدأت الدورة التكوينية بكلمةٍ مجلجلةٍ للمُكَوِّن، كُلُّ المنخرطين غرقوا في استيهامِ توقيعِ أعمالهم أمامَ طوابير تنتظِرُ أبنانَهُم العبقريّة.

المُكوّنُ كاتب مرموق، ألّفَ مجموعتين قصصيتين، كُلّ واحدةٍ شغلت مئة وعشرين صفحة، أبانَ عنْ مسارِه المُتفوّق عبرَ عرضِ سيرتِه، كانَ من محاورها، أنْ أخرجَ ورقةً صغيرة من حافظته، لمْ يستطع مقاومةَ دموعِه التي تهاطلتْ وهو يخبرهم أنها أول حروفٍ كتبها، وكانتْ لأمّه الميتة. كانَ يقرؤها على كُلِّ من التقاه، ويعقُبها بقولِه: ليست شيئا ذا بال، لكنْ لو تأمّلتَها لرأيتَ إرهاصاتِ مبدع لا تُخطئه المُقلُ الثاقبة.

لم يفلت ورقة أي كلمةٍ خرجتْ من فاهِ الكاتِب الصنديد، حتّى ما ألقاهُ عليهم من سطورٍ حولَ أمّه، دوّنه في ورقةٍ مُلوّنةٍ وعلقها فوق مكتبه. ملأ دفاتره بالخطاطاتِ، سَبْكُ الأحداث بدا لهُ أمراً بالغ السهولة، لاسيّما أنّ معلمه العظيم، كانَ يضغطها في خطاطةٍ من ثلاثة أسهم.

اقتربت نهايةُ الدورة، وورقة ليسَ بينه وبينَ عوالم الرواية غير الزمان والمكان. قبلَ أن يلج بابَ الحصة الأخيرة، أوقفهُ المسؤول مع جُملةٍ من رفاقه، لن يدخلوا ما لم يتموا الدفع.

لمْ يستطع ورقةُ جمعَ المبلغ المتبقي، فعادَ مكسور الخاطر، ظنّ أنّ بإمكانِه أن يفلت خاصة أنّه لم يتبقَّ غير حصة واحدة. في النهاية (قال ورقة لنفسه) النّقصُ ليسَ عيْباً، العيبُ في الأغلالِ التي تُعجزنا عن الاستهلال، سيتعلّمُ الزمان والمكان في مكانٍ آخر، أو لوحدِه، أوْ من الممكن أن يستغني عنهما.

قبلَ أُسبوعٍ قرأتُ عن ورقة:
الكاتِب الذي خرق قالبَ الرواية الكلاسيكي، قِصص بشخصيات لا يضمّها زمان ولا يلتحفها مكان، لمْ تُنجَب، ولمْ تَحْبُ، ولم تكبُر، لا تُحِب، ولا تكره، ولا تشتاق، لا تعيش في أرض ولا جدران ولا بيوت...

التعليقات