في زمن بدأت فيه العلاقة بين القارئ والنص تتخذ أشكالا متحوّلة، تبرز تجربة عبد العالي عبد ربي البقالي، القارئ المغربي من مدينة مكناس، كمرآة حية لما يمكن أن يفتحه النص الأدبي من آفاق تأويلية، لا تقل قيمة عن ممارسات النقد الأكاديمي. عبر استبيان وجهته مجلة هارموني الحروف لقرّاء رواية "أنبئوني بالرؤيا"، تقفز إجاباته بوصفها مداخل نقدية تعكس حسا قرائيا ناضجا، وتفاعلا عميقا مع البنية المركبة للنص.
من اللحظة الأولى، يربط القارئ تجربته الشخصية بولوجه عوالم القراءة عبر "الليالي"، فيتماهى مع لحظة اعتراف البطل الأول بها. ليست وهذه لحظة تقاطع بين السيرة الذاتية للقارئ وبين ما يُسرد، ما يكشف عن قدرة الرواية على اختراق حواجز الزمن والتخييل، لتصبح تجربة حميمة بقدر ما هي نصية، وقد برز هذا بجلاء في أعمال عبد الفتاح كيليطو، الذي يُظهر ارتباطا وثيقا بألف ليلة وليلة، مما يجعل تماهي عبد العالي مع عبد الفتاح ليس مجرد اختيار جمالي، بل ضرورة حتمية تفرضها بنية النص.
يتوقف البقالي عند بنية الرواية، مشيرا إلى تمكّن الكاتب عبد الفتاح كيليطو من الدمج بين الواقع والتخييل بدرجة أربكت الأفق التعاقدي للقارئ. فالرواية، رغم تأكيدها على طابعها التخيلي، تنبض بتفاصيل تقود إلى التساؤل حول طبيعة العمل: أهو سرد سردي صرف، أم نص يختزن داخل طياته سيرة الكاتب؟ هذا الإرباك هو نفسه ما يمنح الرواية قوتها؛ إذ تزعزع التصنيفات الجاهزة وتمنح القارئ حرية التلقي دون قيد.
من بين الشخصيات التي ظلت راسخة في ذهن البقالي، يبرز "الأستاذ الجامعي"، الذي يشغل في الوقت ذاته موقع السارد والشخصية المحورية. وتكشف هذه الإشارة عن وعي بمركزية هذه الشخصية داخل بنية النص، إذ يتقاطع عندها البعد التأملي أو الميتاسردي مع الطابع الطبقي المركب للرواية، مما يمنحها عمقا دلاليا يتجاوز الطابع التمثيلي البسيط للشخصيات.
أما في ما يخص البناء الفني، فيرصد البقالي توظيف الكاتب لتقنية "الحكاية داخل الحكاية" بشكل محكم، مستشهدا حتى ببيرانديللو كمثال مسرحي سابق، ليبيّن كيف وسّع كيليطو إمكانات هذا الأسلوب في سياق سردي روائي، متجاوزا بذلك التقاليد السردية العربية الكلاسيكية. الرواية في نظره تمارس نوعا من "التمرد البنيوي"، عبر كسرها للثوابت الشكلية والمعيارية للحكاية العربية، متخذة شكلا أقرب إلى "نص هجين"، يراوح بين الرواية والمقالة والسيرة والتأمل النقدي.
لكن أقوى لحظة وصفية في قراءة البقالي تكمن في جملته الختامية: "أصبت بالخرس". هنا يتحول القارئ إلى شاهد على أثر الفن، حيث تفقد اللغة قدرتها على الإحاطة، ويحلّ الصمت كتعبير أقصى عن دهشة جمالية.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى هذه الملاحظات إلا بوصفها انعكاسا لوعي قارئ ناقد، يمتلك ذائقة تتجاوز التلقي السطحي للنصوص. إنه قارئ يشارك في بناء العمل الأدبي، يجعل النص يكتمل في وعيه، ويعيد تشكيله عبر أسئلته وتفاعله، لينتقل من مستهلك إلى مُبدع مشارك. وربما هذا ما يصبو إليه الأدب الحقيقي: أن يوقظ فينا الصمت لا العبارات، وأن يتركنا في حيرة محمودة بين الحكاية والرؤيا.
