طارق بوعزاتي
تهزه بقوة قائلة:
ـ آدم، انهض! انهض!
نهض آدم الصغير بعدما غفى في الحافلة ورأسه مسندٌ على كرسي
فارغ، تركه الراكب معه في محطةٍ سابقة.
جرّته كأنها تجرّ كيسًا ثقيلًا، ونزلا من الحافلة قبل أن
يُغلق الباب.
أمّ تحمل رضيعة على ظهرها، وبنت صغيرة تتمشّى منهكة.
أريد أن أقسم أن عمرها لا يتحمّل كل ذلك الإنهاك، ولكن لن
أقسم، فقط أنظر وأرى…
ما الذي يجعل فتاة في الرابعة أو الثالثة من محطتها في
الحياة، تتحمّل الإنهاك ومسؤولية لا يتحمّلها حتى حكّام الدول؟!
هل هناك حلوى في انتظارها يا تُرى؟!
نزلا معا في ظلام خفيف بجانب الطريق، والعشب الأخضر يطوف
بالجانب.
فور نزولهما، كان آدم قويا ووقف.
لكن “انكسار” لم تتمكّن من توديع أحلامها التي قد تكون
راودتها في الحافلة. لا أعرف اسمها، فقط اسم مستعار من حال المشهد.
نزلت وسقطت على العشب…
سقوطا جعلني أصرخ من الداخل دون أن أسمعني.
سقطت الطفلة لكنها لم تُغلق عينيها. رأيت عينيها، ورأيت
جمالًا لا يوصف… شعر بني قصير، قامة قصيرة، كأنها ملائكة من الإنس. وهي كذلك.
لكنني لم أرَ الجمال فقط، بل رأيت القسوة وقبح الجمال.
رأيت، وليتني أغلقتُ عيني في عالمي، لكيلا أزيد على الأصفار
التي أحملها صفرًا آخر.
دخلت في غياهب التفكير… بدأتُ بالتفكير في كل شيء وفي
اللاشيء.
لمدة دقيقتين أو أكثر، رأيت في شرود الذهن أمانًا أفضل من
استقامة التفكير.
نظرت لليمين، فرأيت أبًا يلعب مع ابنه وابنته.
تشردت في ذهني مجددًا، وعدتُ لأقول:
ترى، كيف سيكون آدم؟!
-
ليل 29 غشت،
2025.
-
اللقاء الثاني:
رأيت آدم وبراءة اليوم صباحا. براءة
تبدو متعبة وأخذها النوم في الحافلة، كما تمكن من أمها أيضا. آدم بدا لي نشيطا،
طاقة صباحية تغمره.
توقفت الحافلة، سبقت براءة وآدم للركوب والأم مع ثقلها بقيت هي الأخيرة.
دَفعت ثمن التذاكر وذهبت برفقة براءة لكرسي ولعب النوم لعبته.
آدم بعد دقائق، بدأ يمشي على الركاب واحدًا واحدًا لكي يجمع بعض الدراهم، وكان
يقول أنه يجمع لكي يوفر الأدوات والكتب المدرسية!
لم يحرك ذلك في داخلي الكثير من المشاعر فلقد اعتدت على العيش في مدن البؤس.
في المدينة هناك، مكان لمدن البؤس، ومكان لمن يتبول على مدن البؤس من فوق.. وكذلك
مكان لمن يصمت دون فعل، وذلك شيطان أخرس ينتظر أن تتاح له الفرصة ليبصق على
الوجوه.
وهكذا العالم. وهكذا في الحافلة أيضًا، هناك من مد له دراهم، ومن لم يمد له..
غير أن آدم عندما رفض شخص إعطاءه المال، لمس قميصه ثم لمسه مجددا، ليحدثه بعد ذلك
الشخص بقسوة وكان يريد الصراخ عليه، لكنهُ الصباح!
وكلما ركب أشخاص من المحطات، يذهب عندهم آدم ليرى جيوبهم هل تحن، أم أنها مغلولة.
بعد أن صعد حيث أجلس، لمس رأسه الشخص الذي كان يشاركني المقعد وحرك يده عليه
مجددًا، وهذا نوع رابع!
لم يكن لديه مال، ولكن أعطاه الحنان الذي فقده، لكن آدم لم يشعر بلمساته، بل لم
يلتفت أصلا! ربما لأنه يعرف الشوارع أكثر مما يعرف البيوت.
بعيدا عن أحاديث الأسواق، وعن من يقول
أن السعي مهنة، ولا يجب الرأفة على السعاة، وطردهم وباقي الأقوال اللحظية، التي
يداوي بها الفقراء ضميرهم لكي لا يقتلهم ذلك الضمير؛ لأن إخوة لهم يموتون جوعا
وبلا مأوى. ويقولها الأغنياء لأنهم أغنياء! ولأن الفقر لا يطاق!
لكيلا نموت من الحقيقة، نخترع ما نقنع به أنفسنا قليلًا.
هناك من يتخذها مهنة فعلا، ولكن آدم
كان بريئا و"براءة" وأمها أيضا، عائلة بسيطة كأنها هبطت من الجنة إلى
طنجة. الإنسان
خلق عاقلا، يفرق بين هذا وذاك، بالتجارب والتجارب السابقة، ولم يخلق ليقول قولا عن
مجموعة من الناس طيلة حياته ويلقبهم بألقاب عديدة؛ لماذا؟ لكي ترتاح نفسه فقط!
سألت سابقا: ترى كيف سيكون آدم؟
يبدو أنه سعيد وقال أنه بخير، وسيكون رجلا يعول عليه، فلقد ولد على الحقيقة، ومن
ولد على شيء تشبث به!
-
صباح 14 شتنبر، طنجة.