الجنة الموعودة | طارق بوعزاتي

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

مجلة هارموني الحروف


اقترب القارب من الشاطئ، الظلام دامس وقطرات الماء تتطاير وراء قدميه وهو يجري لركوب القاربٍ الخشبيّ الهش كي يلتحق بأحلامه البسيطة المسجونة بين قرى أرض الريف.

واحد تلو الآخر يركبون القارب بسرعة وقائد الرحلة يصرخ:

- نهزّ ذغيا ( تحرك بسرعة)..


البرد يشتد قبل الفجر في الأيام الأولى من فصل الشتاء على الشواطئ. تعرف هذه الأشهر إنخفاضا في الهجرة مقارنة بفصل الصيف.. القليل من القوارب تصل إلى أوروبا في الشتاء، حتى أن بعضها لا تصل لأي مكان تظل مجهولة المصير في أعماق البحار.


تحرك القارب وعلى متنه ثلاثة وعشرون رجلاً وقائدُ الرحلة. بقي على الشاطئ شبابٌ في ريعان العمر لم يسعفهم حظ الركوب، جالسين يلهثون كأنما كانوا في معركة وعادوا منها خاسرين.

أربعة شبان يجلسون لوحدهم منهكين، و ثلاثة منفردين، وأمٌّ لوحدها تصرخ بصوت عالٍ ممزوج بالدموع:

- أَمَّي ينو مُحَنّْد ينو يُويَار.. وتُردِّدْ.. أمَّي ينو مُحَنّْد ينو يُويَار… (ابني مُحَمد ذهب..)

لم تكف عن الصراخ وترديد نفس العبارات حتى ذَبُلت أحبال صوتها وبدأ الصوت يَخِفُّ تدريجيا حتى انقطع وسقطت على الشاطئ باكيةً منهكةً، تُمسك رمل البحر وترفعه لأنفها. تشم رائحته كأنها تتبع رائحة ابنها.


لم ينظر إليها ولم يلتفت، خوفا من أن يَرِقَّ قلبه ويعود، خوفا من أن تعيدهُ التفاتة واحدة إلى الأرض التي هرب منها.

كأنما رأسه في نير موجه للأمام فقط. وبعدما غدا القارب في البحر حيث لا تراه أمه وسط الأشعة الخفيفة التي يتركها مصباح قائد الرحلة قبل أن يطفئ، وحيث لا يستطيع التردد عن فعله هذا، يدير عينيه للوارء بين الحين والحين.. نظر مرات طوال ولا يرى سوى الظلام. سمع صراخا في أول الأمر وسرعان ما ساد الصمت ولا شيء يُسمع إلا آهات خفيفة من وسط القارب وصوت الأمواج ترتطم بخشبه.


مُحَنّْد غادر، مُحَنّْد ذهب تاركاً وراءه وطناً كان يُشبِّهُه دائما بالجحيم. ويقول أنها جهنم الدنيا..

ترك الصبي أمه يقتُلُها الحنين، يقتلها اليأسُ، والانتظار يطول، وتطول معه السنين.

دائما كان يردد لأمه أن هذا الوطن يطرد أبناءه كما الضيفِ البخيل، أنه يُعطيهم قرباناً للبحر.. وفي كل خبر كان ينتشر وسط القرية على غرق القوارب في البحر، كان خوف الأم يراودها دائما من أن يغادر ابنها أيضا.. لكن مُحَنّْد دائما يكرر الأمر ويقول:

- أذاي شن إسْرمان أيما ينو أورا يشَّاي الزمان ذي ثماث ا.. ( لتأكلني الأسماك يا أمي ولا تأكلني الأيام في هذه الأرض..)

منعته مراراً لكنه فضل أن يغادر هذه المرة ويعود لكي يُعيد كرامة أمه وكرامته ويأخذها معه للجنة الموعودة..


ما أن اقترب القارب من اليابسة، بعد ساعاتٍ من مصارعة الأمواج والدلافين وصقيع البحر الذي لا يشبه صقيع اليابسة. وصلوا إلى شاطئ مُتريل. هذه المدينة الإسبانية التي يحسبها المهاجرين من الريف، جنة يذهبون لها غصبا، حبا، وهربا…

بدأوا بالارتماء في البحر بشكل عشوائي. الكل يهرب من جهة ما، الكل يبحث عن الجنة.

مُحَنّْد استنزف قواه وأول ما لمست قدماه الشاطئ، سقط ساجداً لله حامدا وشاكرا له.

لم يَمت في البحر ولم ينقلب القارب. لكن ترك أمه تموت لحظة تلو الأخرى بغصَّةِ الانتظار اللامتناهي…

سجد وأخذ من بركات الرمل ما يجعله يتشبث بأرض أوروبا هذه الأرض التي تحتضنك لكنها تجعلك مغتربا عن نفسك، عن أحاسيسك وعن عالم لم يعد لك منه إلًا فتات الذكريات.


توالت الأيام وهو يجوب الشوارع باحثا عن عمل،

يتغذى من بقايا أكلات المطاعم، ويلبس من القمامات..

وينام تحت الجسور وعلى جوانب الطرقات.. لا أحد يَقبله في العمل فمازال صغيرا وبلا أوراق الإقامة. كان يعمل مرات كثيرة لكن سرعان ما ينسحب من العمل لضعف طاقته. لا أحد يحن عليه في الجنة الموعودة، إلا دعوات أمه. لا أحد يسمع لصوته الغريب عن أزقة أوروبية لا تشبه جبال الريف…


أمه على الشاطئ تدعو له وتنتظره منذ مدة طويلة… لا أخبار ولا رسائل… ودائما ما تذهب إلى الشاطئ لتجلس لتنتظر جثته أو عودته… أخبروها أهل القرية مراراً أن القارب وصل، أن مُحَنّْد سيعود يوما ما ليأخذها معه.. لكن مجيئها إلى الشاطئ لا يتوقف.


أيامٌ توالت، بين دعوات الفجر ومنتصف الليل… بين الحنين والبكاء المرير. انتظرت كثيرا وطالت عودة مُحَنّْد، وغابت أخباره بين أزقة أرض أخرى وعالم آخر…

ذهبت سنة، وذهبت سنتين والأخبار شبه منقطعة..

وصلت رسائله إلى أمه من الجيران مرتين أو ثلاثة، قال أنه بخير.. قال أنه سيعود قريبا.. عبر عن حبه لأمه، لم يشتكِ من مأكولات القمامة ولا من العنصرية.. أخبرها أنه سيعود قريبا ما أن يسوي وضعيته القانونية، قال القليل من الأقاويل التي أعادها في كل رسالة أرسلها.

لكن شعور الأم ظل يُقطع قلبها ويحرقه لم يكن بإمكانها أن تتبعه لتتأكد ولا أن تنتظره ويقتلها الانتظار… كانت تقف تائهة بين برد الشاطئ والنار الموقدة في قلبها.


وفي ليلة كعادتها تجلس على البحر تدعو لابنها. وهو نائم تحت الجسر وبرد الليالي يُشعل في بدنه حربا…

دعت له كثيرا ونظرت إلى البحر مراراً حتى سقطت على يمينها بهدوء جثة هامدة.

أخذها الموت قبل أن يأخذها صَبِيُّهَا الوحيد إلى أوروبا كما وعدها. ولم يُعْطِ الرَّبُّ لهم فرصة للقاءٍ في يوم آخر، لا الأفراح التي تمناها قبل أن يغادر جاءت، ولا الكرامة عادت، ولا الأم ظلَّتْ على قيد الحياة. وفي فجر الصباح وجَدَهَا الصيادون جثة مرتمية على الشاطئ والبياضُ مُتراصٌّ على وجهِها الجَمِيلْ.

  


جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates