الفينومينولوجيا الشعرية: الزمن النفسي في الشعر العربي من التجربة الفردية إلى الوعي الوجودي | نزار لعرج

جارٍ الحساب...
حجم الخط:

مجلة هارموني الحروف


شكّل الزمن، منذ أقدم العصور، إحدى القضايا المركزية في الفكر الفلسفي والإبداع الشعري، إذ ارتبط وعي الإنسان بوجوده وإدراكه لفكرة الزوال والتحوّل. وقد قال المعلم الأول أرسطو: "بغير النفس الإنسانية لن يكون هناك زمان" (الخولي، 2014، ص. 63)، هذا الزمان الذي كان في اهتمامات أرسطو ضمن القاطيغوريات، مشروط بفعل الوعي الذي يقيسه ويمنحه معناه. وإذا كان العقل قد تعامل مع تعاقب الليل والنهار والفصول بوصفها ظواهر كونية محايدة، فإن التجربة الإنسانية حمّلتها دلالات شعورية ووجودية جعلت من الزمن أكثر من مجرد تعاقب آلي.

وقد طوّر الفلاسفة المحدثون، وعلى رأسهم هنري برغسون، هذا التمييز من خلال الفصل بين الزمن الكوني (الخارجي، الكمي) والزمن النفسي (الذاتي، الكيفي) الذي يُعاش شعوريا بوصفه تدفقا داخليا مستمرا. غير أن الشعراء العرب سبقوا إلى تمثيل هذه الخبرة في أشكال رمزية وجمالية حوّلت الزمن إلى معادل نفسي أو وجودي.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة أربعة نماذج شعرية كبرى ــ امرؤ القيس، المتنبي، أبو تمام، والمعري ــ للكشف عن تحولات الزمن النفسي في الشعر العربي من التجربة الفردية إلى الوعي الفلسفي، وذلك عبر مدخل أطلقنا عليه اسم الفينومينولوجيا الشعرية التي تتيح النظر إلى النصوص كتجارب شعورية متجسدة في اللغة والصورة.

 

الإطار النظري: الفينومينولوجيا والزمن النفسي

ترتكز الفينومينولوجيا، كما صاغها إدموند هوسرل، على العودة إلى الأشياء ذاتها كما تُعطى في الوعي، أي إلى الخبرة المباشرة كما تُعاش، فهي علم خاص بالظواهر المحضة بعيدا عن التفسيرات الميتافيزيقية أو الاختزالات العلمية. فهي تنظر إلى الظاهرة في كيفيّتها الشعورية، لا في توصيفها الخارجي. وتستمد تأسيسها من "عمليات حدس (عيان/معاينة) تقوم بإدراك الشيء في نسخته الأصلية"(مصطفى، 2018، ص. 92)

 

وفي ضوء ذلك، يشكّل الزمن النفسي موضوعا جوهريا في الفلسفة الظاهراتية:

· عند برغسون، الزمن النفسي هو مدّة متدفقة، لا تُقاس بالكمّ لأنها تُعاش في انسياب داخلي يدمج الماضي بالحاضر والمستقبل.

· عند هايدغر، الزمن هو البنية الأنطولوجية للوجود الإنساني، ويتجلى أساسا في الوعي بالموت وما يترتب عنه من قلق وجودي.

وبناء على ذلك، يمكن اعتبار الشعر العربي ممارسة فينومينولوجية سابقة، إذ يحوّل الزمن إلى خبرة شعورية تتجسد عبر المجاز والإيقاع والصورة، ليكشف عن جوهر التجربة الإنسانية في معاناتها ووعيها بالفناء.

 

امرؤ القيس: الزمن النفسي كتجربة فردية

في قوله:

وليلٍ كموج البحر أرخى سدولَهُ *** عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي
فقلتُ له لمّا تمطّى بصلبِهِ *** وأردف أعجازا وناءَ بكلكلِ

يقدّم امرؤ القيس صورة الليل ككائن حي يتمطّى ويثقل على الذات. فالليل الطبيعي محدود بساعات، لكنه في التجربة الشعورية للشاعر يمتد بلا نهاية. وهنا تتحوّل اللحظة إلى مدّة نفسية مرهقة، يتسع فيها الهمّ والانتظار.

إنّ الزمن عند امرئ القيس زمن تجريبي فردي، يتشكّل داخل الذات التي تعيد صياغة الامتداد الكوني وفق معاناتها الداخلية. وهو بذلك يجسّد ما سيُعرف لاحقا في الفلسفة البرغسونية بالزمن النفسي كامتداد شعوري متجاوز للقياس الرياضي.

 

المتنبي: الزمن النفسي كوعي وجودي

يقول المتنبي:

أشدُّ الغمِّ عندي في سرورٍ *** تيقَّن عنه صاحبُه انتقالا
وعلى قلقٍ كأنّ الريحَ تحتي *** أوجّهُها جنوبا أو شمالا

في هذين البيتين، يتجاوز المتنبي حدود التجربة الفردية ليؤسس وعيا فلسفيا بالزمن. فالسرور عنده يُثقَل بوعي فنائه. إذ يحمل كل فرح بذرة زواله، فيتحوّل إلى غم قبل أن ينقضي.

كما أنّ صورة الريح التي تقلق الوجود تجعل الإنسان معلقا بين اتجاهات متناقضة بلا استقرار. وهو ما يحيل إلى القلق الأنطولوجي الذي سيطوره هايدغر لاحقا بوصفه سمة للوجود الإنساني.

وعليه، فإن الزمن النفسي عند المتنبي وعي وجودي يجعل التجربة محكومة بالعدم والقلق، حيث الحاضر لا ينفصل عن وعي فنائه.

 

أبو تمام: الزمن النفسي كجدلية الفناء والتجدد

يقول أبو تمام:

وطولُ مقامِ المرءِ في الحيِّ مُخلِقٌ *** لديباجتيْهِ فاغتربْ تتجدّدِ

يقدّم أبو تمام رؤية مغايرة للزمن النفسي، إذ يربط بين طول الإقامة وذبول الذات، وبين الاغتراب وإمكانية التجدد. الزمن عنده قوة جدلية تُفني وتُحيي في آن.

فالزمن النفسي هنا لا يقتصر على معاناة الامتداد، لأنه ينفتح على إرادة التجديد، حيث يغدو الاغتراب فعل مواجهة واع ضد الفناء. إنه زمن مشحون بالتوتر الجدلي بين الثبات والتحوّل، وهو ما يضع تجربة أبي تمام في أفق فلسفي يتجاوز الرثاء الفردي إلى إعادة إنتاج الزمن من خلال الوعي والإرادة.

 

المعري: الزمن النفسي كوعي تشاؤمي فلسفي

يقول المعري:

غيرُ مجدٍ في ملّتي واعتقادي *** نوحُ باكٍ ولا ترنّمُ شادِ
وشبيهٌ صوتُ النعيِّ إذا قيسَ *** بصوتِ البشيرِ في كلّ نادِ

يبلغ الزمن النفسي في تجربة المعري أقصى مداه الفلسفي، إذ يتحوّل إلى إدراك شامل بعبثية الوجود. فكل بداية عنده حاملة لنهايتها، وصوت البشرى لا يختلف جوهريا عن صوت النعي.

إنّه وعي تشاؤمي يجعل من الزمن النفسي معادلا للعدم، وبموجبه لا معنى للتجدد ولا جدوى من الفرح. وهو بذلك يقارب ما ستطرحه لاحقا فلسفات العبث واللاجدوى في الفكر الحديث، مما يمنح شعره بعدا فلسفيا يتجاوز عصره. وهذا يذكرنا بمقطعه:

وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ *** لآتٍ بما لم تَسْتَطِعْهُ الأوائل

وأغدو ولو أنّ الصّباحَ صوارِم ***ٌ وأسْرِي ولو أنّ الظّلامَ جَحافل

 

صفوة القول، تكشف هذه النماذج الأربعة عن مسار تطوري للزمن النفسي في الشعر العربي:

· من التجربة الفردية عند امرئ القيس، ففيها الليل يمتد بامتداد المعاناة.

· فالوعي الوجودي عند المتنبي، حيث يُعاش الزمن كقلق دائم نحو الفناء.

· حتى الجدلية الفلسفية عند أبي تمام، التي يفتح فيها الاغتراب أفق التجدد في مواجهة الفناء.

· وصولا إلى الرؤية العبثية عند المعري، حيث يصبح الزمن مرادفا للعد واللاجدوى.

إنّ هذا المسار يدل على أن الشعر العربي أنتج أشكالا متباينة من الزمن النفسي، في تماس عميق مع ما ستبلوره الفلسفات الحديثة لاحقا. ومن ثَمَّ، فإن مقاربة الشعر العربي من منظور فينومينولوجي تمثل استعادة لمفاهيم وافدة وتسهم في إضاءة الإرهاصات المبكرة لفلسفة الزمن في التراث الشعري العربي، التي تملك أيضا قابلية لأن تغني الحوار الفلسفي المعاصر حول الزمن بما تمنحه من رؤى جمالية وشعورية متفردة.


مسرد المصادر والمراجع:

يمنى طريف الخولي، الزمان في الفلسفة والعلم (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2014)، ص. 63.

عادل مصطفى، فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا، نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2018)، ص. 92.

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates