أرحل اليوم، كي أعود غدا، كي أعود، محملا بي، مجددا، مخترقا هذا الوجود كأني غريب عنه، كأني محض صدفة حلت بلا سبب، بلا معنى. أرحل دافعا عربتي المشحونة بعطايا النبش المستمر في بطون نفاياتهم، كذبابة.
ذبابة؟ أين أنا من الذباب؟ فاليوم، لم أظفر بالكثير، لم تتجاوز عائداتي الثلاثين درهما. إنها، ومنذ استحداث البراميل المدفونة في الأرض، لم تتجاوز الثلاثين، الذباب يلقى منافذه إليها، عكسي أنا المسدودة في وجهي كل المنافذ. أكتفي بالبراميل الصامدة - مثلي تماما - تحت وطء أحذية الزمن، وأحذية المشردين، وأحذية الأطفال، وأحذية الحمقى، وكل الأحذية الضاربة والدافعة والراكلة والمسددة. أهرع بعربتي نحو نهاية الزقاق، حيث اصطفت ثلاثة صناديق رمادية لم يحن وقت إفراغها، أقلّب مكنوناتها وأغطس برأسي منقبا بينما تتراقص قدماي خارج فم الصندوق، لايمكنني تحصيل مبتغاي إلا بهذا التلاحم المستمر بيني وبين الصناديق والبراميل، إلا بهذا الابتلاع المتبادل؛ تبتلعني قبل القطاف وأبتلع ما سيجود به القطاف.
قوةٌ ما تحكم القبض على قدميّ، أحاول الفكاك منها متركلا ودافعا كعجل بين فكي تمساح، لكن التثبيت يهزمني حين تنضغط فخذاي على حافة الصندوق باثّة ألما فظيعا كأنه البتر. أصرخ، أشتم؛ فتزيد الأيدي من ضغطها وضحكها الضبعي. يدفعني الألم الشديد إلى التخبط أكثر لأجل الانفلات. أتخبط، أتشقلب؛ فيحصل المراد. أنط _- في حينها - واقفا عساني أقبض على الحقيرين، لكنني ألمح ظلين ينعرجان متلاشيين رفقة صدى ضحكاتهما. أستطلع الأرجاء، الدنيا فراغ والظلمة تستأثر بالنصيب الأكبر. الوغدان، أثرتُ في نفسيهما لذة التسلية المكنونة في الإنسان المحتقِرِ إنسانا آخر، لو أنني أدركتهما فقط، لو أنني.. ماذا؟ ماذا عساي كنت فاعلا؟
أرحل غدا، كي أعود بعد غد، محملا بذاكرة أثقل مني، أثقل مما احتمل كاهلي في رحلة رفع هذا الثقل المسمى جسدي. جسدي وعربتي، لم أعد أدري أيهما الأثمن عندي، رغم أنهما متشابهين في كل شيء، فما الفرق بين شيئين أحدهما مشحون بنفايات البشر والآخر بنفايات الزمن؟ أبقر كيسا بلاستيكيا وأُولج أصابعي في عصارته، أشتت محتوياته وأتلقف بعض النتف الإلكترونية وأدسها في جيبي، أرى زاوية سوداء تطل من بين الأكياس فأخرجها مصارعا مقاومة الضغط الممارس عليها، شاشة بلازما كبيرة، غنيمة نادرة تسرّ الجيب وتعده بدراهم إضافية، أفكر في الحلوى التي سأبهج بها فؤاد ولدي، أتخيل ابتسامته التي يبهجني بها كل أسبوع. كيف يعيش صغيري رفقة رجل آخر؟ كيف؟ ربما… ربما… أفضل مما كان سيعيش معي. لكنني متشبت ولدي، وسعادتي اليتيمة أن أصحبه يوم الأحد إلى الحديقة، أن أدفع به الأرجوحة وأساعده على تسلق سلم “الزلاقة”.
أرحل مجددا، ومجددا، ومجددا… إلى أن أتكوم ذات يوم بئيس. يتعثرون بي عند الإفراغ؛ يحوقلون، وفي نفس الوقت، يلعنون هذا الطارئ المعرقل سيرَ العمل، الذي سيتطلب منهم إعلام السلطات، وانتظارهم، والإدلاء بشهاداتهم. أنفاس تأففهم تلفح جسدي الملتحم مع محتضني الوحيد طول حياتي، تلعنه صامتة، لكنهم، سيغالبون ضيقهم ثم سيمنحونني - ربما -الدفن الذي يليق بي، دفنا كافيا، لإغلاق ملف نازلتهم.
