جمالية العلاقة بين المشبه والمشبه به في التشبيه : دراسة بلاغية في ضوء الصور المعجبة | عبد الإله زدوسي

جارٍ الحساب...
حجم الخط:
                            إشراف : الدكتورعبد الوهاب الأزدي والدكتورة: وئام المددي
جمالية العلاقة بين المشبه والمشبه به في التشبيه : دراسة بلاغية في ضوء الصور المعجبة مجلة هارموني الحروف


 يعد التشبيه من أبرز الأساليب البلاغية، التي عبر بها العرب عن أفكارهم ومشاعرهم، فهو أول  مدماك في بناء الشعر، التي يعبر بها كل شاعر عربي عن أحاسيسه وكينونته ، إذا يقرب لنا التشبيه الغائب إلى الحاضر، و الغامض إلى الواضح، فكانت العلاقة بين طرفي التشبيه: المشبه و المشبه به علاقة معجبة في إنتاج الصورة البلاغية .

ومن هنا جاء اهتمام المقال بدراسة جمالية العلاقة بين طرفي التشبيه، من حيث توليد الصور المعجبة، التي تتجوز أحيانا النمط السائد أو الكلام اليومي، مستندة إلى المجاز و الدقة في إنتقاء وجه الشبه .

وقد اعتمد في هذا المقال  مقاربة بلاغية ، من أجل دراسة العلاقة الجمالية  بين طرفي التشبيه ، مستندا إلى أمثلة  شعرية و أدبية تبرز هذه الجمالية ، كما تم التركيز في هذا المقال على كيف ينتج التشبيه المعجب أثرا فنيا و جماليا ،  ويهدف هذا البحث إلى ماهو نظري وتطبيقي.

. التعريف بالتشبيه، أركانه، أنوعه، وفائدته وبعض أغراضه العائدة للمشبه."

. تحليل عناصر التشبيه و وظائفها.

.  تحديد طبيعة العلاقة بين المشبه و المشبه به.

. مفهوم الصورة المعجبة في البلاغة العربية.

الفصل الأول: التشبيه- تعريفه، أركانه، أنواعه، فائدته وأغراضه العائدة للمشبه، والعلاقة بين طرفي التشبيه.

المبحث الأول : التعريف بالتشبيه.

"يعد التشبيه من طرق البيان، يتميز بالحيلة، و الزينة، و البراعة, وقد عرفه ابنُ رشيق القَيْرواني بقوله: "التشبيه صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة أو من جهات كثيرة، لا من جميع جهاته، لأنه لو ناسَبَه مناسبةً كليّةً لكان إياه ; ألا ترى أنَّ قولهم: "خذٌّ كالورد «إنما أرادوا حمرة أوراق الورد و طرواتها، لا سوى ذلك من صفرة وسَطه وخضرة كمائمه، وكذلك قولُهم: »فلان كالبحر، وكالليث  «إنما يريدون كالبحر سماحةً وعلما، وكالليث شجاعة وقَرْماً، وليس يريدون ملوحةَ البحر وزُعوقته، ولا شتَامة الليث وزُهومته!" 

ولعلنا نعطي تعريف بسيطا، وقريبا من آذان السامع، فنقول: التشبيه هو نعتك بصفة ما مبينا إياها، من خلال مقارنَتِها بمِثْلها عند شيء آخر هو أشهر و آكد في هذا الوصف المشترك بينهما، فتصور أنك تريد بيان شجاعة أحمد، فلك أن تبينه بمقارنته بشيء يحمل هذا الوصف نفسَه، فتقول: أحمد كالأسد في الشجاعة، لهذا ضربنا شجاعة أحمد بشجاعة الأسد لأن هذا الأخير، هو المشهور عند الناس بالشجاعة.

ولك أيضا مثال آخر عن حرارة الصدر ، ناقص(غير مكثف، بقولك:هَاج صَدْرِي، لما فيه من نقصان في البيان عن حال صدرك، فَتُبَينَهُ بشيء أشهر عند السامع، و مشهور، وَمُبِين، وقاطع الشك، قائلاً: هاج صدري! كالِمرْجَل ِنَفَثَ البُخَارَ!

نستنج من خلال ما سبق أنَّ التشبيه بيَّنَ معنًى من خلال مقارنتِه بمعنًى آخر.

الفصل الثاني: أركان التشبيه:

يقوم التشبيه البلاغي على أربعة أركان أساسية، مُعْجِبَة،  لا يكتمل دونها وهي :المشبه، و المشبه به، و وَجْهَ الشَّبَهِ، أما الصّلَةُ اللفضيةُ بين المشبَّه و المشبَّه به، فتسمى: أداةَ التَّشبيه.

فهذه الأركان بَعْضُهَا راتِب ( المشبه) و (المشبه به)،وبعضها الآخر مُتَزَحْزِحُ من محله،و أعني وجه الشبه و أداة التشبيه.نَخْتَصِرُ، فنقول إذاً: أن المُشبَّهُ: مُفتقِر إلى التَّبْين، المشبه به: مفتقَر إليه في التبيين، وجه الشبه: بينهما، الأداة: بينهما.

قال السكاكي: "النظر في طرفي التشبيه:المشبه و المشبه به، إما أن يكون مستندين إلى الحس...وإما أن يستند إلى الخيال: كالشقيق عند التشبيه بأعلام ياقوت منشرة على رماح من الزبر جد.

الفصل الثالث: أنواع التشبيه.

يتميز التشبيه بأنواع تختلف عن بعضها البعض ،فمنها المرسل، و المؤكد، و المجمل، و المفصل، والبليغ، سنفصل كل تشبيه على حدة.

التشبيه المرسل: ما ذُكِرَتْ فِيهِ الأداةُ، ومثاله، قول المتنبي: إنَّ السُّيُوفَ مع الَّذِين قُلُوبُهُمْ   كقُلُوبِهِنَّ إِذَا التَقى الجَمْعانِ

المشبه : القلوب  ، المشبه به:السيوف ، الأداة: الكاف ، وجه الشبه: الحدة والصلابة... ، من خلال هذا البيت الشعري للمتنبي،  يتضح أن  الخطأ الشائع الذي يقع فيه القارئ خلال القراءة الأولى، أن المشبه: السيوف، لكنها جاءت كتمهيد للبيت ، و الأصح أن الشاعر شبه  قلوب الشجعان بالسيوف، مبيناً أن حسم المعارك لا يكون بالسلاح وحده بل بالقلوب الحادة ، الصلبة، الحاقدة الجريئة التي تشبه السيوف في قوتها، وتعد هذه الصورة من الصُوَرِ المُعْجِبَة، لأنها تمزج بين القوة النفسية و المعنوية (القلوب)، والقوة المادية (السيوف).

التشبيه المؤكد: ما حُذِفت منهُ الأداة، ومثاله قول الله عزوجل :{وَجَعَلْنَا اللَيْلَ لِبَاسًا}

المشبه: الليل، المشبه به: اللباس، الأداة: محذوفة ، وجه الشبه: الستر، في هذا التشبيه، شُبّه الليل باللباس، والأداة محذوفة، ووجه الشبه هو الستر والتغطية، فاللباس يستر الجسد كذلك الليل يستر الناس ويغمرهم الهدوء و الراحة، ويُهَيئهم للنوم والسكون. تبرز جمالية التشبيه في الربط بين مَعنيين ماديين مختلفين ( اللباس و الليل)، بوظيفة مشتركة، وهي وظيفة الستر.

التشبيه المجمل: ما حُذِف منهُ وجه الشبهِ، ومثاله قول ابن الرُّوميّفي تأْثير غِناءِ مُغنٍّ: فَكأَنَّ لذَّةَ صَوْتِهِ وَدَبيبَها     سِنِةٌ تَمَشَّى في مَقَاصِل نُعَّسِ. في هذا التشبيه شُبّه لذَّةَ الصوت بالسِنةٌ (أي بداية النوم) و الأداة: كأن ، و وجه الشبه لم يذكر معتمداً على أنك تستطيع إدراكه بنفسك وهو الارتياح والتلذذ، و وصف لنا الشاعر ابن الرُّوميّ  في البيت الشعري جمال وعذابة الصوت، مما يجعل الشخص وهو ينصت له، يدخله في حالة السكون والنعاس،وتعد هذه الصورة من الصور المعجبة، لما فيها من انسجام بين الصوت والنوم.

التشبيه المفصل: ما ذُكِرَ فيه وجهُ الشبهِ، ومثاله قول الله عزوجل: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ}، شُبّه الماء بِالْمُهْلِ فكانت الأداة الكاف، و وجه الشبه: الحرارة والسواد، المعبَّر عنه في الآية الكريمة ( يَشْوِي ُالْوُجُوهَ)، جاء هذا التشبيه يحمل صورة بليغة يكاد المرء يفزع من الصورة التي عليها أؤلئك الأشقياء من أهل النار الذين كانوا يستهزؤن بأوامر الله وينتهكون حدوده، فكان جزائهم النار التي أحاطت إحاطة السوار، فيمكن أن نقول كذلك في هذا التشبيه على أنه مرسل بما أنه ذكرت الأداة وهي الكاف.

التشبيه البليغ: ما حُذِفتْ منهُ الأداةُ و وَجهُ الشبه ، ( المرأةُ حَيَّةٌ) ، في هذا التشبيه نجد تشبيهًا بليغًا،حيث شُبّهت المرأة بالحيَّةُ دون ذِكر أداة التشبيه و وجه الشبه، ويتميز كذلك بالإيجاز والإيحاء، وتبرز جمالية هذه الصورة في كون  أنَّ الحيّة كائنٌ خفيّ، سريع، يثير الحذر،وكذلك قد تكون المرأة موصوفة بِجَامِعِ المكر والفتنة والخداع.

وبعد أن وقفنا عند أركان الشبيه، وأنواعه، أقترحُ عليكم  أمثلة من التشبيهات القرآنية التي غنيت بالأسلوب التَّشبيهيِّ:

قال تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}

قال تعالى:{ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}

قال تعالى:{وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَاَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلاَمِ}

واذا كانت هذه التشبيهات غنية بالأسلوب البياني، فلابد أن تكون لها فائدة وتحت هذه الفائدة، أغراض يا ترى ماهي فائدة التشبيه وأغراضها؟

الفصل الرابع: فائدة التشبيه وأغراضه:

تتمثّل الفائدة الأساس للتشبيه في البيان والتوضيح، إذ يُقصد به إبراز المعنى وتقريبه من السامع، فإنما نُشَبِّهُ مُشَبَّهًا بمشبه به، من أجل بَيانه وايضاحه، لِأنَّ الأشياء تبين بِأَشْبَاهِهَا، إذ هي كما قال عليُّ رضي اللهُ عنه، فيما رُوِيَ عنه  »اشْتِباهٌ«، وتمام قوله: ( قِسْ ما لم يَكُنْ على ما كانَ، فإنَّ الأمورَ اشْتِباهٌ) ، ونحن نقول على غراره، بما يناسب مسألتنا وَيَنْفَعُهَا، قِسْ ما لم يَبِنْ على ما بَانْ، فإنَّ الأمور اشْتِباهٌ!

وإذا كانت فائدةُ التشبيه واحدةٌ مطلقةٌ وهي بيانُ حالِ المشبَّهِ فإنَّ تحت هذه الفائدة أغراضٌ كثيرةٌمختلفة، من بينها:

بيان مقدار حال المشبه:  قال رجلٌ يَصِفُ حرارةَ صدره من الغضب: »استشاطَ صدري غضباً، فهو كالحديدِ تحتَ شمسِ النَّهارِ«.

غرض بيان إمكان وجود المشبه: أن يكون المشبه شيئًا يُستغرب أو يُستبعد حصوله في نظر السامع، فيلجأ المتكلم إلى تشبيهه بشيء ممكن ومألوف لإقناع السامع بأن حاله ممكن الحدوث وليس مستحيلاً،  لعلنا نأتي بمثال اِبْتَكَرْنَاهُ: » قد يُصبح الجبان شجاعًا، كما يتحول الفحم نارًا إذا أُوقد«.   غرض إبراز المشبه في معرض التزيين والتقبيح: كقولنا: »تراب كالمسك« ، قال الله تعالى: وهو يصف لنا ثمرة شجرة الزقوم، وهي شجرة تنبت في قعر جهنم {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ}

الفصل الخامس: العلاقة بين طرفي التشبيه في ضوء الصورة المعجبة.

تعد العلاقة بين طرفي التشبيه، أي بين المشبَّه و المشبَّه به،  من أهم عناصر بناء الصورة البلاغية في التعبير العربي، إذ هما الركنان الأساسيان في التشبيه، لا يزعم طرف أن يترك الآخر، كالأشقاء كل واحد منهما يتكئ على الآخر لإنتاج العلاقة المعجبة، وكذلك يعطيان قيمة ولذة فنية للسامع أو القارئ، فليس التشبيه مجرد ربط لفظي بين شيئين، بل هو بناء لعلاقة خاصة يتداخل فيها الحسّ، و الخيال، و الفكر، » فالنظر في طرفي التشبيه:المشبه و المشبه به، إما أن يكون مستندين إلى الحس...وإما أن يستند إلى الخيال: كالشقيق عند التشبيه بأعلام ياقوت منشرة على رماح من الزبر جد«.، وأما أن يكون مستندين إلى العقل: »كالعلم إذا شبه بالحياة، وإما أن يكون المشبه معقولاً،

والمشبه محسوسًا: كالعدل إذا شبه بالقسطاس ، وكالمنية« إذا شبهت بالسبع: شبه لنا السكاكي المنية بالسبع لجامع الافتراس والقوة والشراسة، فالمنية في هذا السياق، تُصَور كقوة قاهرة تفتك بالبشر دون تمييز، تمامًا كما يفعل الأسد.

تبنى هذه الصورة على اختيار الشاعر أو الكاتب... اختيار دقيق للمشبَّه به لأنه عنصرًا قويّ التأثير، جاذبًا للانتباه، فنقول إذن: المشبَّه يفتقر للمشبَّه به أشد الافتقار! كما ينبغي للمشبَّه بِهِ  في صِفَةِ التشبيه أن يكون أبيَّن وأَكَّد من المشبَّه، لنبين هذه الجمالية في كون أنَّ المشبَّه مُفْتَقِرٌ لِلْمُشَبَّه بِهِ،

ونطرح إشكال كالآتي: مع تفاوت المنزلة بين الطرفين، هل يجوز أَنْ يَفْتَقِرَ المشبَّه إلى المشبَّه بِهِ في بِنَاِء الصورة البلاغية؟

للجواب عن هذا السؤال الحافل بالمتعة البيانية، يجدر بنا أولاً أن نعرض مثالاً توضيحيًا يُجسد المسألة، فلنأخذ صفة  الكرم، ونستحضر شخصية مشهورة في هذا الباب ، وهو حاتم الطائي، فنقول: "حاتم مضرب المثل في الكرم"، وبهذه الصفة يتحقق الغرض البلاغي. فإذا أردنا أن نبيّن كرم شخصٍ يُدعَى زيد، قلنا: "زيد كحاتم في الكرم".في هذا التشبيه،يكون »زَيْدٌ« هو المشبَّه، و »حَاتِم« هو المشبَّه بِهِ، لأنه أشهر و أقوى في هذه الصفة. ومن ثم، فإنَّ زيدًا، من حيث المعنى البلاغي، يَفْتَقِرُ إِلى حاتم في إثبات الصفة وإبرازها، لِأَنَّ المشبّه بِهِ أرسخ  في الذهن وأوضح في الدلالة من المشبَّه.

  وصفوة القول: في هذا الباب نستفيد مع تحصيل المراد، لَذَّةَ التشبيه ودَالْ على فِطْنَةِ الْمُعْجِب،     فَنقُولْ: مًا أعْجَبَ هذا التشبيه، وكيف تَوَصَلَ إليه فُلَانٌ، وكيف اِسْتَطَعَ أن يجد هذه العلاقة بين المشبَّه و المشبَّه بِهِ، فالعلاقة بينهما مُعْجِبَةٌ، فنقول: أنَّ المشبَّه مَطْلُوبٌ له الْبَيان ، و المشبَّه بِهِ مَطْلُوبٌ مِنْهُ الْبيَان.

 

 

 مسرد المصادر و المراجع:

 سورة الإسراء الآية( 23) و (24)

  سورة الانسان الآية "22" 

 - العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، مصدر مذكور، ص:286.

 إِضْبَارة الدروس االأدَبِيّة  ذ: السعيد أهرو.

 مفتاح العلوم سكاكي الصفحة :440 /439

 سورة النبأ الآية(10)

 سورة الكهف الآية (29)

 سورة العنكبوت الآية:41.

 سورة الجمعة الآية:5.

 سورةالرحمن الآية:24 .

 من محاضرات مادة البلاغة ذ: السعيد أهرو كلية الآداب والعلوم الأنسانية مراكش.

 مثال من امتحان الفصل الثاني مادة البلاغة ذ: السعيد أهرو.

 سورة الصافات الآية: (65)

 مفتاح العلوم السكاكي ص: 440.439

 

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates