"بالكتابة أتعرّى وأرى حريتي".. اعترافات شاعرة لبنانية ترفض أقنعة النهار.

جارٍ الحساب...
حجم الخط:


مجلة هارموني الحروف ـ سميحة عطية ـ شعر ـ كتابة ـ حوار

في عالم يضجُّ بالانكسارات، تبرز الكتابة كفعل مقاومة أخير، وكصومعة مقدسة لا يدخلها إلا من آمن بأن الحرف هو ترتيلة انبعاث. في هذا الحوار، نستضيف الشاعرة التي اختارت أن تلوّن الغياب بمداد الصدق، وتصهر وجعها في بوتقة القصيدة لتنجو. هي التي ترى في الليل مرآة، وفي التخييل وطنا بديلا، وفي الشعر فلسفة تسبقُ المنطق. نغوص اليوم في عوالم الشاعرة اللبنانية سميحة عطية، لنتعرف على المسافة القلقة بين تمرّدها الإنساني وشعريتها، وكيف استطاعت أن تحوّل لبنان الجرح إلى نص يتنفس الحنين.


– لو اعتبرنا كل نص شعري معزوفة مستقلة، فما نوع الموسيقا التي تعتقدين أن قصائدكِ تعزفها؟


في ذروة انكساراتي ألجأ إلى الكتابة. أعتبر حروفي تراتيلَ انبعاث، أكتب في ذروة وجعي لأحاول النجاة من ضجيج هذا العالم، ولأدخل صومعة صمتي. القصيدة عندي ليست رثاءً بقدر ما هي محاولة خلاص.


– نلحظ في نصوصكِ اشتغالًا على مساحة قلقة بين الحلم والوجدان؛ كيف تديرين هذا التناغم الصعب؟


بالنسبة لي، أراهن على الحلم لا على الواقع. الحلم خيار وليس فرضًا، وكل حلم يُكتب بصدق هو أنا. به أُعيد بناء ما يتكسر داخلي، لا هروبًا من الوقع بل إعادة تأويل له.


– تمتاز بعض نصوصك بصور تمزج بين الليل والحنين؛ فماذا يمثل الليل في تجربتكِ؟


الليل هو المرآة التي تكشف ما عجز ضوء النهار عن إظهاره. فيه أرى حقيقتي دون أقنعة، وأصغي لصوتي الداخلي كما هو، عاريًا من الضجيج.

 

– تصفين الشعر بأنه فعل إدراك للعالم؛ كيف تسبق القصيدةُ الفلسفةَ والعلم؟


عندما تكون الكتابة صادقة، تصبح أداة تسبق العلم والفلسفة في سبر أغوار النفس. القصيدة تصل إلى جوهر الإنسان قبل أن تُسمّيه المفاهيم أو تشرحه النظريات.


– يحضر المكان في شعركِ ككائن حي؛ كيف تركت لبنان بصمتها على نصوصكِ؟


في ذروة انكساراتي التي تشبه بلدي، وحين لم يعد وطني مسكنًا لي، أعود إلى صمتي، إلى نفسي، وأكتب. لبنان حاضر في نصوصي كجرح وذاكرة وحنين، لا كمكان فقط.

 

– لغتكِ تميل إلى النقاء الوجداني؛ كيف تنجين من فخ المباشرة؟


منسوب الإحساس العالي والوجع الذي يسكنني هو ما يجعلني أبرع في إيصال النص إلى قلوب تشبهني. لا أشرح ألمي، بل أتركه يتنفس بين الحروف.

 

– تراوح كتاباتكِ بين التخييل والسيرة؛ أين تنتهي سميحة الإنسانة وتبدأ سميحة الشاعرة؟


أكيد هناك فواصل حقيقية بين حروفي وأحاسيسي. في الكتابة ألجأ إلى الضعف والتسوّل، بينما شخصيتي في الواقع متمردة. أعتبر الكتابة هروبًا حتى من ذاتي. بالكتابة أتعـرّى، وبالكتابة أرى حريتي، أما الواقع فمختلف.

 

– الشعر مساحة للمساءلة؛ ما السؤال الذي لم تجب عنه القصيدة بعد؟


سؤال الحرية الداخلية، وكيف يمكن للإنسان أن يبقى صادقًا مع نفسه وسط كل هذا الانكسار، لا يزال يسكن محبرتي.

 

– في ظل الانكسارات الإنسانية الكبرى، كيف يكون الشعر فعل نجاة؟


بالنسبة لي، الشعر هو الملاذ الأخير. هو القدرة على ترميم الذات حين يعجز الواقع، وعلى إعادة الإنسان إلى إنسانيته الأولى.

 

– وأخيرا، لو اخترتِ عنوانا يلخّص تجربتكِ الشعرية وفق فلسفة هارموني الحروف، ماذا سيكون؟

«لون الغياب».


هكذا تنتهي الكلمات لتبدأ الموسيقى في أعماقنا. رحلةٌ بين متمردة تعيش الواقع بكل قوته، وشاعرة تتسول الضعف الجميل على الورق لتمنحنا حقنا في البكاء والترميم. كان حوارنا مع سميحة عطية اعترافا بأن الألم حين يتنفس بين الحروف، يصبح جسرا للعبور نحو الذات. نترككم مع لون غيابها، وهو حضورٌ طاغ لكل ما هو إنساني فينا، وصدى لبلد يسكنها كجرح لا يبرأ، لكنه يُغني.


للمزيد من الحوارات:

https://harmony-of-letters.blogspot.com/2025/12/blog-post_9.html

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates