بعدَ طردِنا من معارِج السماء إلى غَوْرِ الأرض، أصررنا أن يكونَ أوّل من نفعله، البحث عن أعلى شجرة في العالم، وأَمْتَنِها. أن نسمو فوقها، أن نختارَ أصلبَ أغصانِها، وأنْ نمارس الحب هناك، قربَ نوافذ الغيوم التي تسترق السمع، نِكايَةً في القداسة.
أمضينا الليالي تتقاذفُنا أمواجُ السوائل. كأنّ عدن كانت سورَ ذي القرنين أمامَ مَأْجُوجِ اللذة. الغريبُ أنّنا لم نكن نُمنعُ سابقا، لكنّ الإنسانَ لا يبلغ الذروة، إن كانَ ظهورُ شبقِه مُعتمداً على الضوء الأخضر.
كُلّما أُرهِقْنا، كُنّا نستند للنّوارس. لم تكن بخيلةً بالمساعدة. كانتْ ترفعُ ساقيك بكلِّ كدّ. أمّا السناجب، فكانتْ تُحضّرُ سلفاً المناديل الورقيّة، تسهرُ هذه الكائناتُ اللطيفةُ على تجفيفِ عرقنا.
النحل – بين الفينة والأخرى – يلسعُني حتى تظل بعض أعضائي على انتصابها، وحتّى يلائم اتساعَ رقعةِ السّر.
هذه الكائناتُ الذكيّة، تفقهُ جيّداً سِحْرَ الاحتكاك. فالتماسّ أصلُ الحب. وكلّما ازدادتِ الفُرجاتُ التي يلجُ منها هواءٌ دخيل، كلّما وجدتْ المشاعِرُ فِجاجاً للانسلالِ خارجاً.
يستمرُّ الحُبّ، إذا سُدّت المنافذ. كلُّ الحيواناتِ كانتْ متواطئةً معنا على الرذيلة. فلماذا يغضبُ العالمُ، إنْ - نحن - تواطأنا مع حيوانِ الإيروس؟!
حينما لمح ابنُنا الأوّل نورَ الحياة، بَذرْنا فيهِ غرس الحُبّ، قضمةَ الثّمر المُحرّم، ولذغات التمرّد على جنّةِ المِعْيار. أردْناهُ أن يكونَ وِعاءً لتمرّدٍ آخر، كأن يحفر عمقَ الأرض، حتّى يُطردَ إلى أرضٍ أخرى. لكنَّ توسُّمَنا غرقَ في لُجِّ الخيبة. الإناءُ كانَ مخروما. ابنُنا رسبَ عندَ عتبةِ الامتحانِ البدئي. أخبرنا عندما عادَ من المدرسة في اليوم الأول:
"أريدُ أنْ أُصبحَ معلّماً."
اتّخذَ أحدَهُم قدوةً له، بينما أرضعناهُ نهدا يقول: "لا للقدوات، القدواتُ أصنام" .
"والداك هجرا حياةَ السرمدِ حتى يهدِماها، لا أنْ يُنشأَ من نسلهم من يعيدُ بناءها."
لمْ تشهد المدرسةُ وجودَه في يومٍ آخر. اتخذْنا من لحمه الفتيّ مُنسِّماً لِيَخنةِ العشاء. سنتان بعدَ ذلك، أنجبْنا فتاة. كانتْ الفتنةَ الثانيةَ بعدك، نسخةً مُحوّرةً منك. أرى ظلك فيها، وأرمق طيفها فيك.
لمْ تُشاكِل الابنَ الأول. تشرّبتْ كينونَتنا، وبها تفوّهت أطرافُها.
كسرت ما أعجزنا، وهدمت ما أضنانا صلابةُ بنائه. كُنّا نرمقها بألحاظِ الفخر. كانتْ فلتةً متفرّدة، أبغضَ اختلافَها الجميعُ، لكنْ لا أحدَ تجرّأ على التنكيل بها. امتلكت من أبيها لسانَ الأهاجي والمنطق.
تلقّينا مراسلات متوالية من إدارة مدرستها. لا يكادُ يخلو يومٌ دون شكوى تمرد معلّقة في عنقِها. كانتْ شرارةُ الثّورة باديةً على مُحيّاها. رآها العاذلون تتصنّع السؤال، وتُضمِرُ الجواب. حينما أصبحتْ شابّة، تماهت مع جُدران غرفتها. قلّ خروجها، وكثُرَ تأمّلها. توجّسنا خيفة، لكننا رأينا فيها أنفسنا وهي في فورة الشباب، مررنا من نفسِ العزلة والوحدانية الذاتية.
شهراً بعد شهر، أصبحتْ أكثرَ انطواءً، أكثر هدوءاً، وأقلّ نشاطاً. كلُّ أنظمة الدراسة لم تكن مواكبة لتطلعاتِها، ما جعلها تُعرِضْ عن إتمامِ مسارها الأكاديمي. حاولْنا إخراجَها من بوتقتِها، لكنّها عارضتْ بشدة. تذرّعتْ بأن خلوتها اختيارٌ حر وواعٍ نتيجة ما ربيناهُ فيها. ننسى دُعاءنا للحريّة، كلّما تعلق الأمر بقلوبنا.
كبّلتْ عقولَنا، ثمّ كبّلت أيدينا وأقدامنا. ذلكَ ما وجدْنا عليهِ أنفسنا إبّان استيقاظنا من سُباتٍ عميق.
فلذة الكبد، استعملتِْ مُنوّماً قويّا. سمعْنا الماءَ يغلي، نظَرْنا لبعضِنا بعينين باسمتين.
أُزيحَ ستارُ مسرحيّة الغيب. كُنّا الصنمَ الأول والأخيرَ في حياةِ ابنتنِا، وقد هدمتْه الآن.
