ضجيج الذاكرة | سعاد السويسي

جارٍ الحساب...
حجم الخط:
مجلة هارموني الحروف

سنوات طويلة مضت، كان من المفترض أن تمحو وهج الذكرى، لكن ألم الفقد كان أكبر من أن تغطيه عباءة النسيان، أو أن يصيبه وهن العمر ويشيخ في عقبات الزمن. ظلت أبواق الحنين تصدح به منذ لحظة الوداع الأخيرة.

لم أنم ليلة البارحة، رغم أنني كنت بحاجة إلى النوم. أسمع صوت أنين يتسرب من النافذة. كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحًا. خرجت أتفقد الأمر، أضع قدما ثم أتبعها بالأخرى، مشيا على الأصابع كي لا يستيقظ أحد ويشعر بغيابي. تبعت صدى الصوت، فإذا به جارنا أحمد يبكي بحرقة في ركنه كان يضرب رأسه في السور الحجري وعندما يتوقف عن فعل ذلك، يأكل أصابعه ويردد بصوت ممزوج بالندم: "لم أتمكن من الحفاظ عليها."

أيقنت حينها أنه يبكي على زوجته فاطمة، التي فارقت الحياة قبل خمسة عشر عامًا.

كان يمسك بيده قطعة ثوب مهترئة من ثيابها يضمها إلى صدره بشدة، يشم رائحتها الطيبة التي ظلت ملتصقة بها.

عجبًا، كيف استيقظت ذكراها في باله بعد هذه المدة ؟ربما زاره طيفها ؟ أو ربما شوقه لها لم ينطفئ أبدًا؟ لم ينسها طوالا، ولو للحظة.

غادرت المكان وأنا أردد:

-  اللهم السلام لقلب هذا العجوز المسكين

ماتت وهي تحاول من أجلهجرفتها مياه السيل إلى خندق عميق في عشية ماطرة أغرقت القرية بالماء. كانت تبحث عن حطب يدفئ جسديهما العليل من لسعة البرد القارس في تلك القرية المهملة وسط جبال الريف العاليةخرج الجميع بحثًا عنها في كل مكان، إلى أن وجدوها جثة هامدة تحت التراب.

ماتت الجارة فاطمة، رحلت هي الأخرى. خيم الحزن والأسى على قلوب الأحبة في مشهد أليم، قبل فيه جارنا أحمد جبين زوجته فاطمة البارد فى مثواها الأخير، يشاهد موكبها واضعًا يده على قلبه، يتنهد بمشقة، وفي جوفه كلام غير مسموع، وكأنه يقول:

"لماذا رحلت قبلي ؟ ماذا عن الوعد الذي قطعناه سويًا بأننا سنشيخ معا ونبقى جنبا إلى جنب إلى الأبد؟ هل عمر الأبد قصير إلى هذا الحد؟ هل كنت الخائنة أم الزمن ؟ من سيتشارك معي تفاصيل يومي؟ من سيتحدث إلى عجوز مثلي أصابه الخرف؟ لمن سأفضفض ؟ ومن سيتقاسم معي كوب الشاي كل صباح ؟"


ظل هناك يذرف الدموع، إلى أن سقط أرضًا، لأن ركبتيه الهزيلتين لا تقويان على حمل ثقل حزنهعاد وحيدًا إلى ذلك البيت الحقير، ليقضي فيه ما تبقى من العمر، لا أنيس يؤنسه، ولا حطبًا يدفئ جسده من الجو البارد الذي يسربل ليالي الشتاء.

يزوره الحنين بين الفينة والأخرى، تعود به الذكرى بعد عمر طويل لتعيد ما مضى ويستيقظ الألم نفسه، هذا الألم الذي ظل لاصقا به امتزج بين الروح والجسد. دواء الصيدليات كله سرى في دمه، ولم يلائم أي منها جراحه. لا دواء لعلته.

لا ترياق يشفي خديعة الزمن تلك التي سرقت منه بهجته وراحته سرقت عكازه وخليلة روحه بيته ووطنه، وقبيلته الوحيدة. كانت كل شيء بالنسبة له، كانت مأمنه الوحيد في تلك الحفرة سلبت منه كل هذا، وأعطته بدلا عن ذلك وجع الروح، وعلة القلب، وغصة العمر.


هذه هي الحياة، تلعب معنا لعبة الغميضة تسرق منا أعز ما نملك، وتتركنا معصوبي الأعين نبحث عنهم في ظلام أبدي. في قرارة نفسي، أجزم أنه لا فائدة من محاولة النسيان، ومن الصعب أن نجد لمن أحببناه بديلا.

يا لشقاء هذا الحب وآه من ألم الفقد بعد أن تلتصق الروح بالروح.

هذا هو حال هذا العجوز سمعته مرارًا يتحدث عن زوجته فاطمة بعد موتها بسنوات. أذكر حديثه في عزلته مع صديقه آخر مرة، وهو يقول: " إني لأشعر بأن أزقة الحي يسكنها الضجر منذ خطواتها الأخيرة، منذ أن عدت من حفلة عزائها فارغ اليدين. وكنت أعلم يقينا حينها بأنها ستبقى في كتاب الذاكرة. لم تكن لتنسى يا صاحبي، لم تكن امرأة كباقي النساء، لتمر على قلبي مرور الكرام. لم أنسها، مع أنني أعاني مع ذاكرتي هذه الأيام، قليلا ما أتذكر. لكنها تخطر ببالي كلما طابت لي الذكرى. أستحضر ملامحها الشافية، قلبها المعطاء، ووجودها الذي كان يقضي على التعب. سأبكي عليها الدهر كله، لأنني أعلم أن الحياة لا تكرر هذا النوع من المعجزات."

هنا فقط أستطيع التحدث عن عبء التضحية وكيف يضع بعض الأشخاص سلامتهم جانبا من أجل راحة وسعادة من يحبونهم، كمحاولة لتجسيد معنى الحب اللامشروط، فتكون النتيجة خسارة أرواحهم. هؤلاء الأشخاص هم أنفسهم الذين عاشوا في تلك القرى المعلقة بين الجبال منسية الحفر التي تتنفس من عين إبرة، الذين يجسدون معنى صمود الأرواح التي تأرجحت بين الحياة والموت وهي تحاول أن تقتلع بعض سبل العيش من عيني الدنيا.

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates