نادرا ما نلتقي بتجربة إبداعية تتصالح فيها صرامة الأرقام مع سيولة الخيال مثلما نجدها عند الكاتبة والمهندسة الطبوغرافية المغربية هاجر أوحسين. هي مبدعة تمتد أدواتها لتمسح تضاريس النفس البشرية، محولة اللغة إلى مرصد دقيق يرصد الكواليا ــ تلك اللحظات الشعورية الفريدة التي لا تتكرر.
في مجموعتها القصصية أضغاث أحلام، وفي كتابتها الصحفية، وفي عمق رؤيتها الإبداعية، تطل علينا هاجر بوصفها مهندسة للنص؛ عندها التكثيف انفجار جمالي، والحلم هو المقام الأسمى لاسترداد الدهشة. في هذا الحوار الخاص لـمجلة هارموني الحروف، نبحر معها في عوالمها المزدوجة، لنتعرف على كيفية تطويع المنطق العلمي لخدمة النص السردي، وكيف يغدو الحلم درعا في مواجهة اغتراب العالم المادي.
تجمع شخصيتكم بين الهندسة الطبوغرافية والكتابة الأدبية؛ كيف يساهم تكوينكم العلمي في ضبط إيقاع النص السردي؟ وهل تغدو الكتابة لديكم نوعا من المسح الخرائطي لأغوار النفس البشرية؟
الحقيقة هي أن الهندسة والكتابة في نظري عالمان مختلفان، تختلف فيهما فقاعة الحرية من حولي، لكن التكوين العلمي يساهم بشكل جوهري في تطوير التفكير النقدي، وهو عنصر هام جدا في عمليتي القراءة والكتابة، وفي التحليل والقدرة على المساءلة. إن الكتابة لدي تغدو بالفعل نوعا من المسح الخرائطي لتضاريس الذات ومنعطفاتها غير المرئية.. من خلالها أحاول رسم معالم الروح وفهم تعقيداتها، مستعينة بدقة الملاحظة التي يفرضها علي تكويني التقني لضبط إيقاع النص، دون أن يسلبني ذلك عفويتي الإبداعية.
في مجموعتكم أضغاث أحلام، نجد نزوحا نحو السرديات القصيرة؛ بمَ تفسرون قدرة هذا الجنس الأدبي المجهري على استيعاب قضايا وجودية واجتماعية كبرى؟ وهل تفرض صرامة التكثيف قيودا على تدفق الرؤيا الجمالية؟
في مجموعتي "أضغاث احلام"، لم يكن النزوح نحو السرديات القصيرة اختيارا فنيا متعمدا أو "لجوءا" لنمط معين، فأنا لا أومن بالقواعد التي تسبق الكتابة. أنا أكتب الفكرة كما تولد في ذهني، وحين يتوقف نبض الفكرة، يتوقف النص. هذه القصص القصيرة جدا هي التي فرضت جنسها وشكلها علي. لقد أتت في ومضات مكثفة لأن طبيعة الوجع أو الفلسفة التي تحملها كانت تتطلب ذلك "الانفجار" اللغوي السريع. صرامة التكثيف هنا ليست قيدا، بل هي الحالة الطبيعية للفكرة في لحظة تجليها. أنا أول قارئة لنفسي، وأكتب ما يشبهني، فاذا جاءت الفكرة مجهرية، احتفيت بها كما هي دون زيادة أو نقصان، لأن الصدق في الكتابة يكمن في احترام "قدر" النص وشكله الذي اختاره لنفسه.
يحمل عملكم كواليا (الكيفيات المحسوسة) دلالات فلسفية وعصبية عميقة تتعلق بطبيعة الإدراك الذاتي؛ كيف وظفتم هذا المفهوم العلمي في قالب أدبي؟ وإلى أي حد تساهم الكواليا في تفسير الفجوة بين التجربة الفردية للكاتب وبين لغة التواصل الجماعية؟
مفهوم "كواليا" (Qualia) يمثل ذلك الإحساس الفريد الذي لا يمكن اختزاله أو نقله بالكامل للآخرين، مثل "كيف أشعر أنا بالألم" أو "كيف أرى أنا اللون الأزرق". لقد وظفت هذا المفهوم العلمي لأطرح تساؤلا حول الفجوة بين تجربتي الفردية ككاتبة وبين لغة التواصل الجماعية التي أستخدمها. الكتابة هي محاولتي لترجمة تلك "الكواليا" الخاصة جدا إلى نبض يشاركه الآخرون، مع الحفاظ على أصالة التجربة.
الكواليا هي ما يفسر لماذا نكتب.. فنحن نحاول قول ما لا يقال، ونحاول جعل اللغة العامة تتسع لخصوصية الشعور الفردي الذي لا يشبهه شيء.
أشرفتم على عمود حديث آخر بجريدة بيان اليوم؛ كيف تنظرون إلى العلاقة بين الكتابة الصحفية الملتزمة بقضايا الراهن، وبين الكتابة الإبداعية التي تنزع نحو التجريد والخلود؟
بالنسبة لي، لا يوجد صراع بين العمل الصحفي وبين التجريد الإبداعي.. فالشاعرية تلازمني حتى في كتابتي الصحفية، لأنني أؤمن أن القارئ إنسان مثلي، لا يحتاج فقط إلى المعلومة أو التحليل، بل يحتاج إلى كلمة تلامس قلبه وتخاطب إنسانيته. الصحافة تمنع القلم من الانعزال، والإبداع يحمي اللغة من السقوط في التقريرية الجافة، والشاعرية هي الجسر الذي يربط بينهما ليجعل من قضايا الراهن مادة أدبية حية.
أي مقام يضبطُ إيقاعَ حَرْفِك؟ وهل تمنحُ صرامةُ الهندسةِ لسردِكِ وترا من دقةٍ ونظام؟
المقام الذي يضبط إيقاع حرفي هو "مقام الحرية". لا ألتزم بقواعد صارمة لأن الكتابة الحقيقية هي التي تبتكر قواعدها الخاصة في كل نص. ومع ذلك، فإن صرامة الهندسة تتسلل إلى سردي لتمنحه دقة ونظاما في "البناء"، لا في "التقييد". أنا أكتب لنفسي، وهذه الطريقة هي الوحيدة لضمان أصالة النص.. فالنص الذي لا يدهشني كقارئة أولى له، لن يدهش غيري. الهندسة هي الهيكل العظمي، أما الكتابة فهي الروح التي تمنح هذا الهيكل حياته وحركته.
تكرر حضور ثيمة الحلم في عناوينكم ونصوصكم؛ هل تعتبر هاجر أوحسين الحلم مادة خاما للسرد، أم أنه وسيلة دفاعية لمواجهة اغتراب الذات في عالم تحكمه الماديات؟
يتجاوز الحلم في نصوصي كونه مجرد تيمة عابرة.. إنه الفضاء الذي أسترد فيه حقي في التيه بعيدا عن منطق المنفعة والضرورة الذي يطوق أيامنا. في هذا الملاذ، تتحلل الفكرة من التزاماتها تجاه التفسير، وتأخذ شكلها العفوي الذي يرفض الامتثال لما هو سائد أو متوقع.
الحلم هو طريقتي في حماية "الدهشة" من التآكل تحت وطأة الملموس والجاف. الحلم هو تلك المساحة التي أستعيد فيها صلتي بذاك الإحساس الفريد الذي أسميه "كواليا".
حين أكتب من داخل الحلم، فإنني لا أنسحب من الحياة، بل أعيد ابتكارها بشروطي الخاصة، حيث لا توجد قواعد تسبق الفكرة، وحيث يتوقف النص تماما حين تنتهي شرارته الأولى.
من خلال مشاركتكم في ورشات كتاب الزيتون وغيرها من الفعاليات الثقافية؛ كيف تقيمون المشهد الأدبي الشبابي في المغرب؟ وهل تعتقدون أن الوسائط الرقمية كافية لخلق تراكم ثقافي حقيقي يخدم النص الأدبي؟
من خلال مشاركتي في ورشات "كتاب الزيتون" وغيرها، لمست حركية لافتة تتجاوز الركود التقليدي. هناك إصرار على التجريب وكسر الأنماط السائدة، وكأن كل كاتب شاب يحاول نحت هويته الخاصة بعيدا عن وصاية الأجيال السابقة. المشهد الأدبي الشبابي في المغرب يغلي بطاقات لا تخشى المغامرة، وهي طاقات تكتب بصدق باحثة عن لغة تشبه تطلعاتها.
هذا الجيل لا ينتظر الإذن ليكتب، بل يقتنص حقه في التعبير بقوة..
الرقمي يوفر الآنية، لكنه يفتقر غالبا إلى ذاك الهدوء الذي تمنحه القراءة المتأنية والاشتغال الدؤوب على جودة المعنى بعيدا عن بريق التفاعل اللحظي. النص الأدبي يحتاج لكي يثبت حضوره إلى ما هو أبعد من مجرد الظهور الافتراضي.. يحتاج إلى بيئة تحتضن قيمته الفنية وتمنحه حق البقاء كأثر فكري لا كمجرد مادة للاستهلاك الرقمي السريع.
أخيرا، ما ٱخر كلمة توجهها هاجر إلى قراء مجلة هارموني الحروف ؟
رغم أنني لا أحب النصائح عادة، أقول لكل من يحمل قلما: لا تجعل القواعد تسجن سيل أفكارك، اكتب لنفسك بصدق، فالأصالة لا تأتي من اتباع الخطى، بل من الغوص في نفسك والعالم بنظارتك الخاصة. شكرا لكم على هذا الإبحار في تفاصيلي.
في ختام رحلتنا مع هاجر أوحسين، ندرك أن الكتابة عندها هي هندسة روحية بامتياز. لقد أثبتت لنا عبر حديثها أن العلم يمنح الشاعرية هيكلا صلبا وقدرة مذهلة على التحليل والمساءلة. هي كاتبة تنحاز للصدق، وتحتفي بقدر النص كما يولد، بعيدا عن الوصايا والقواعد الجاهزة.
تتركنا هاجر وفي أذهاننا تساؤلات عميقة حول كواليا كل واحد منا، وحول ضرورة حماية أحلامنا من التآكل. إنها دعوة للعودة إلى الذات، والبحث عن الدهشة في تفاصيلنا الصغيرة، تماما كما تفعل هي في سردياتها المجهرية التي تختزل أوجاعا ووجوديات كبرى. شكرا للمبدعة هاجر أوحسين على هذا البوح الراقي، وعلى هذا الرسم الدقيق لملامح الروح.
