في قصر السُّلطان قابوس، في صباحٍ هادئ من عام ١٩٧٨، وُضع كوبُ بلورٍ صقيل على منضدة من خشب الصندل. بقي ماؤه الصافي بلا لمسة. مرَّ الخادم، مرَّ الوزير، مرَّ شعاعُ الشمس البعيد. لم يَشْرَبه أحَد.
فأخذ يتنفس برويَّة. ذَرَّةً فذَرَّة، تبخَّر الماءُ الصَّافي، مُحرِّراً نفسه من كأسِ الانتظار. صَعِدَ.
في الأعالي، حيثُ تهبُّ رياحُ الخليج العاتية، التقتْ أنفاسُه بأنفاسِ بحرٍ وبَرٍّ. تحوَّل إلى سحابةٍ رقيقة، شِبهُ شَفَّافة، تحملُ في جوفها بَرْدَ الرخام وعبَقَ الصندل.
قطعَتِ السحابةُ ألفَ ميل. هبَّتْ بها الرياحُ جنُوباً، فَوق الرُبع الخَالي، حَتى وَقفتْ متأمِّلةً حقلاً للقُطن في أرض النُوبة. هناك، مع الغَسَق، انكسرت. هَطَلَتْ.
قطرةٌ واحدةٌ منها سقطتْ بثِقَلِ الذِّكرى على تُربةٍ قاحلةٍ عند جذع شجرة توتٍ عتيقة.
انغرسَت. شَرِبَتْها الجذورُ الظمأى بجَشَع. فانتفختِ الشجرةُ، واخْضَرَّتْ، وأخرجتْ وَرَقةً جَديدةً نَديَّةَ المَسِّ، لونُها أخضرُ مُزرقٌّ عميق. جاء الفلَّاحُ بِمِعْزقِه، ولمحَ الورقةَ تتألَّق. فَقَطَفَها.
على سَطْحهَا الأملَس، بمِدادٍ مِن عُصارةٍ مُرَّة، كَتبَتِ الريحُ بيتاً شعرياً وحيداً. بيتاً لمتنبِّيٍ أخرسَ، لم يُسمَعْ قَطُّ. كلماتٌ صامتةٌ عن الفقدِ والارتقاء.
جاعتْ دودةُ قَزٍّ. فأكلتِ الورقةَ المكتوبة. فتحوَّلتِ الحروفُ في أحشائها إلى خيطٍ مُشِعٍّ. غزلَتْ حول نفسها شرنقةً من حريرٍ باهتِ البياض، كأنها فانوسٌ من ثلج.
جاء الحائكُ الماهرُ من شيراز. أطلقَ الخيطَ من سجنِه، ونسجه مع ألف خيطٍ آخَر. لكنَّ هذا الخيطَ كان يلمعُ بضوءٍ داخليٍّ خَافت. صار طَوْقاً في نسيجٍ فاخر.
في صباحِ عِيدٍ، قُدِّمتْ عباءةٌ جديدةٌ للسُّلطان. حريرٌ ثقيل، ناعمُ المَلمس كالماء، يتراقص عليه لمعانٌ خفيفٌ بين الفضة واللؤلؤ. ارتداه السُّلطان. فتعلَّق بخَطْفَةِ كتفِه الأيمن خيطٌ وحيدٌ، كان يوماً ماءً في كوب. حمَلَ ذكرى البلور والغيمة والتربة والورقة والكلمة. التصقَ بالجسدِ الملكيّ، وأخيراً، وَصَلَ...
