"مادة دسمة للبكاء" للدكتور محمود عساف – عندما ينزف ناي المجزرة ألحانه على الصفحات | فوز أبو سنينة

جارٍ الحساب...
حجم الخط:
مجلة هارموني الحروف

هل أرغب حقا في البكاء؟ وهل تبقّى في عيني دموع؟

كان هذا ما سألته لنفسي عندما قرأت عنوان المجموعة القصصية. فتحت الصفحات على مهل مقدس، أهدهد الحروف، ربما لأنني شجاعة، أو لأنني أردت أن أرى من خلال الكلمات كيف يعيش الإنسان و هناك في كل لحظة صرخة أخيرة لأحدهم على بعد خطوات منه.


قرأت هذه القصص وأنا أتنقل بين وجوه أبطالها المتعبين، وظلالهم الثقيلة على الأرض التي تغيرت قسماتها، والتفاصيل الدقيقة التي كتبها الدكتور محمود بوعي واضح لخفق المكان، وارتجاف الإنسان فيه. وتعلمت منها كيف يُروى الموت بصوت دائمي الاحتضار، وكيف يُرسم الجوع بعصارة معدة خاوية، وكيف يُوصف الحب بقلب لم يعد فيه نبض. وبكيت، فوجدت البكاء أعلى درجات الإنسانية، التي اعتقدتُ بأنها تخدرتْ من فرط ما شاهدناه من ألم ودمار على مدار شهور الحرب في غزة.

 

إن ما يميز هذه النصوص ليس موضوعاتها فحسب، بل الطريقة التي يتعامل فيها الدكتور محمود مع اللغة؛ لغة تتأرجح بين البساطة الذكية والتكثيف الهادئ، لغة تصويرية تبدو أحياناً وكأنها تمشي على حافة شِعر خافت، لا يعلن عن نفسه بوضوح، بل يترك لمعانه بين الجمل وفي الإيقاع الداخلي للأحداث. كما وأبدع الدكتور في التقاط التفاصيل الصغيرة: خطوط الوجه، رفة اليد، لحظة الضعف، الحسرة التي تحني الظهر، ثم ارتقى بها إلى مستوى رمزي يمنح القصص عمقاً يتجاوز ظاهرها.

 

تتحرك شخصيات المجموعة في بيئة شديدة الحساسية، ومشبعة بالاختبارات الإنسانية؛ المخيم، الحرب، الانتظار، الحب المؤجل، الخيبة المعلّقة، والجوع الذي يتجاوز المعدة إلى الروح. لكن الدكتور لم يكتف بنقل هذا الواقع كما هو، إنما عمل على إعادة تشكيله في مخيلتنا، ليصبح لكل قصة ظل أبعد من حكايتها، وأثر يتردد حتى بعد انتهاء القراءة.

التوتر السردي حاضر وواضح في القصص، وغالبا ما يُبنى المشهد على طبقات من الإيحاء أكثر من اعتماده على السرد المباشر. تتبنى بعض القصص النهايات المفتوحة، وهي خاصية تحسب للمجموعة، وتتوافق مع طبيعة العالم الذي تقدمه؛ عالم غير مكتمل، أضاع ملامح نفسه. بينما تقدم قصص أخرى نهايات على شكل عبرة جاهزة، في نبرة لا تصور البطولة، بل هشاشة الإنسان حين يفرض عليه أن يواجه ما لا يمكن وصفه.

 

على الرغم من القتامة التي تتسلل إلى الكثير من النصوص، إلا أنني وجدت خيطا رفيعا من الضوء يمر بين السطور. هو ليس ضوء صريحا، بل شعاعا صغيرا يشبه القدرة على النجاة. ضوء خافت وضعيف لكنه موجود، يفتح باب التأمل في معنى قدرة الإنسان على الاستمرار والكتابة رغم كل شيء. فالإبداع في النهاية، كما أثبت لنا الدكتور محمود، لا يحتاج إلى مكتب فاره وأزهار ومكتبة، بل يحتاج إلى قلب نابض، وعقل يجمع بحواسه كل ما حوله، ليسكبه حبرا على صفحة الحياة.   

 

هذه المجموعة ليست شاهدا على زمن مضطرب فقط، إنما هي تذكير بأن السرد ما زال قادرا على التقاط ما يفلت من أيدينا؛ اللحظة، الوجع، الظل المتروك على جدار، الابتسامة التي غيبها الركام، الفقد المفجع، الولادة في أروقة مستشفى خرج عن الخدمة، الحب في زمن الجوع والانكسار، الخيمة الصامتة، الأواني الفارعة أمام تكية ثكلى، المجتمع الذي ينخر فيه سوس الجشع والاستغلال جنبا إلى جنب مع الفضيلة والتضامن، وتلك القدرة العجيبة على المضي قدماً رغم كل شيء. لذلك فإن هذه الصفحات تقرأ ببطء، كرشفة قهوة بعد ليل طويل. وبإصغاء لصوت الكلمات ولكل ما تصمت عنه. بقلب مشرّع الأبواب والعيون. وبالكثير من الاحترام الذي تستحقه تجربة إنسانية صادقة وموجعة بكل هذه الشفافية.  

 


  

جميع الحقوق محفوظة © 2025 مجلة هارموني الحروف

Designed by Blogger Templates